من موريتانيا إلى لبنان: الشماتة العربية ببهدلة الديمقراطية
كتبهاnehad alshami ، في 15 أغسطس 2008 الساعة: 18:46 م
بقلم: محمد منصور

يكرهونها إن انبثقت من الداخل… أم جاءتنا من الخارج! يشكون بها إن حاول أن يصدرها لنا عدو أو نصحنا بها صديق… وإن أغوانا بها صاحب… أو وصفها لنا طبيب! يقفون في وجهها إن آمن بها أفراد… أو حلمت بها جماعات… أو تطلعت إليها شعوب! ينظرون إليها مثل الخمر في الموروث الديني: (لعن الله عاصره وبائعه وحامله وشاربه وجليسه)!
إنها الديمقراطية التي صارت الأنظمة العربية تتفاخر بالعداء لها وانتهاكها عينك عينك… بعد أن كانت ترحب بها في العلن، وتبتسم لها في الوجه، ثم تدوسها تحت الأقدام، وتصفعها في القفا! ولهذا لم أستغرب هذه الشماتة العربية بالتجربة الديمقراطية الموريتانية التي أودى بها الانقلاب العسكري الموريتاني الأخير، الذي كان حدث الشاشات العربية الأبرز هذا الأسبوع، والذي سماه أصحابه (حركة تصحيحية) وكأنهم أرادوا أن يرضوا أخوانهم الديكتاتوريين العرب… أي أنهم صححوا الوضع الديمقراطي الشاذ في موريتانيا… ومسحوا عار الجنرال ولد الفال، الذي انقلب على نظام الرئيس معاوية ولد الطايع الديكتاتوري، ووعد بتسليم الحكيم وتنظيم انتخابات ديمقراطية حرة وعدم ترشيح نفسه… ووفى وعده، وشهد العالم حينذاك بنزاهة الانتخابات، التي أدت إلى فوز الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله، بغض النظر عما يقال من تحالفات داخلية جرت في هذا الانتخاب! يومها ومن كثرة ما كتب عن التجربة الديمقراطية الحرة في موريتانيا، وعن الانتخابات النزيهة الشفافة، وعن المراقبين الدوليين الذين أشادوا بحسن سير العملية الديمقراطية، ومن كثرة ما بثت من تقارير، وعقدت من ندوات، وأنجزت من برامج تلفزيونية لتثمين هذه التجربة، امتعض النظام الرسمي العربي، ومن خلفه الإعلام الرسمي العربي أيضاً… ليس لأنه شعر بالخجل لا سمح الله- من السجون وكم الأفواه، وتزوير الانتخابات بنسب تراوح فوق التسعين بالمائة على أقل تقدير، وليس لأن ضميره قد استيقظ وهو يرى بشاعة صورته في مرآة التجربة الموريتانية… بل لأنه قد شعر أن هناك شرخاً حقيقياً في الصف العربي، أخطر من شرخ كل الخلافات العربية التاريخية التي عرفها هذا النظام منذ اتفاقية كامب ديفيد… ولأنه شعر أيضاً أن هناك نغمة نشازا باتت تقتحم أذنه، وتعكر صفوه ومزاجه… صحيح أنها نغمة محدودة، وغير ممكن انتشارها بالعدوى في تلك القلاع الأمنية التي لقحت جيداً ضد مرض الديمقراطية، لكنها بدت نغمة مزعجة ومثيرة للغيظ، لأنها أعطت الحجة لكثير من نشطاء حقوق الإنسان العرب… كي يبرهنوا أن الديمقراطية ليست فاكهة استوائية لا يمكن أن تنبت في سيبيريا، ولا شجرة ياسمين لا تعيش في صحراء نجد… بل هي تجربة يمكن أن تصلح للاستهلاك البشري العربي إذا وجدت المؤمنين باحترام قواعدها!
الآن انهارت هذه التجربة الديمقراطية، وعادت موريتانيا إلى الحظيرة العربية… وبخلاف الاتحاد الأوروبي الذي فرض عقوبات على موريتانيا وقرر وقف المساعدات- غير الإنسانية- لموريتانيا… ذهب وفد الجامعة العربية إلى نواكشوط برئاسة الأمين العام المساعد أحمد بن حلي، ليستطلع الأمر ويتأكد من دفن الديمقراطية، ويشارك في العزاء… ثم عاد ليقول إن الأمر شأن موريتاني بحت! أي بالمختصر المفيد: نبارك ما حدث من قلوبنا… فلا أحد يقلق من وباء هذه (الديمقراطية) التي يتأملون بها خيراً… فهي -على الأقل في المدى المنظور للقرن الحادي والعشرين- كأمل إبليس في الجنة! ولهذا ظهر أحد النواب الموريتانيين ليقول في تقرير إخباري رداً على نتائج هذه الزيارة: نحن لا ننتظر من العرب شيئاً… لأنهم لو أرادوا أن يتخذوا موقفاً آخر، لفعلوا كما فعل الاتحاد الأوروبي!
وفي لبنان… كانت جلسات البرلمان اللبناني الأخيرة، وما حفلت بها من مشادات حامية، وملاسنات كلامية نابية، على مدى أكثر من ثلاثين ساعة في جلسات نيل الحكومة للثقة… كانت هذه الجلسات مثار شماتة عربية من نوع آخر. فيالبذاءة هذه الديمقراطية، أمام الأجواء البرلمانية الغارقة في التهذيب التي تعرفها البرلمانات العربية في ظل الأنظمة الديكتاتورية والشمولية… التي لا يعاني نواب برلماناتها من أمراض التوتر وارتفاع ضغط الدم، فحناجرهم لا تعرف سوى كلمتي (نعم) و(أوافق) وشفاههم لا تعرف سوى ابتسامات القناعة والرضا، وعيونهم لا تحمل سوى نظرات الاطمئنان والتوكل على أجهزة المخابرات وقرارات الزعيم الأوحد في الوصول بسفن أوطانهم إلى شواطئ الأمان مهما اشتدت هجمات الإمبريالية، وعصفت زوابع الفساد، واستبدت في الزمان والمكان رتابة الصوت الواحد والرأي الواحد! ولهذا… فبئس الديمقراطية أيها الزملاء النواب… إذا كانت ستجعلنا نصرخ في وجوه بعضنا بعضاً، ونختلف في الرأي والتوجه، دون أن يردعنا رادع، أو يدوس قرارنا بسطار!
أجل لا يجيد النظام الرسمي العربي، سوى الشماتة بكل تجربة ديمقراطية، وتسليط الضوء على عيوبها، وتحقير كل عوامل الألق والنماء الكامنة في روحها… وتحويلها إلى أمراض تحمل لنا الشر والتفرقة والتشرذم… ولا يجيد إعلام هذا النظام العربي المتواطئ ضد شعوبه، سوى ديمقراطية بوش البشعة في العراق، كي يجعلها النموذج الوحيد الذي تتجسد فيه كل معاني الديمقراطية وأشكالها! لقد تم دوس الديمقراطية لأكثر من نصف قرن تحت الأرجل، بحجة أننا في معركة مصيرية مع العدو الإسرائيلي… وكان شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) بمثابة التعويذة ضد الأصوات المشبوهة التي تطالب بالديمقراطية كي تضعف هذه الأنظمة الوطنية التي تحارب إسرائيل في معركة وجود لا حدود… اليوم معظم العرب تصالحوا وتفاوضوا وصافحوا إسرائيل أو في طريقهم إلى التفاوض… فهل سيتصالحون مع الديمقراطية يوما؟!
عن صحيفة (القدس العربي) 14/8/2008
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حديث الساعة | السمات:حديث الساعة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 9th, 2009 at 9 أبريل 2009 11:38 م
اخي الكريم شكرا الك علي هذ المقال لرائع والجميل
هذهي الانظيم الن تزول الابئرد حقيقيه من الشعوب
ونحن دائم نلفي باليئم عل الحكام طيب نحن متفقون علي
ان الحكام عملا ومتواطئون ومتخاذلون وهمهم الوحيد الحفاظو
علي كراسيهم الخاويه ولكن سؤاءلي هونا لي شعوب العربيه اين انتم من المعادله لمتحركون ساكن والم تهزون شعرا وتكتفون الدايم باالقائ الائم علي الحكام لم نرااي الدولة شعبها انتفض من اجل قضية واصر علي ان لايتوقف دون تحقيق ذالك الهدف مثل في جورجيا انتفضو والم يتوقفو دون ان يتحقق ما انتفضو من اجليه عكس شعوب العربيه لاتتحرك الاعندما يكون هوناك غزو لي الدولة عربية وسرعان ماتخمد هذهي الانتفاضه ويصبح المشهد مجرد تسليه الهم كمايحدث مع فلسطين والعراق وبعض الدوله العربيه الاخر هذهي المشكل ه لتي نوعاني منها ويجب ان وجه الانتقاد لي شعوب وليس لي الحكام