ملف- البؤساء… مجلس الشعب السوري

كتبهاnehad alshami ، في 16 تشرين الأول 2009 الساعة: 10:34 ص

بقلم: د. عاطف صابوني

 

عبر سلسلة من ثلاث مقالات، تناول الكاتب السوري الدكتور عاطف صابوني، واقع مجلس الشعب السوري، وتاريخه الصوري الذي تحول نوابه أو (نوّامه) على مر سنوات طويلة، إلى مجرد بصمجية لقرارات تصدر لهم للموافقة والمباركة والتهليل والتطبيل لا أكثر!
(سوري يا نيالي) يقدم مقالات د. صابوني الهامة هذه في ملف خاص… يستحق أن يكون بالفعل مرجعاً لكل من يريد أن يعرف… وشهادة للتاريخ حين يخرج صحفه ووثائقه للأجيال القادمة!
نهاد الشامي
 
(1)
لم أكن ارغب في يوم من الأيام أن أتعرض بالدراسة والتحليل لمجلس الشعب في سوريا رغم كونه محسوباً علينا برلمانا وسلطة ثانية تشريعية ورقابية.
عدم رغبتي في التعرض إلى ذلك الموضوع لم يكن لإثبات أن ذلك المجلس شبه المعين ليس على الإطلاق برلمانا ولا حتى ما يشبه البرلمان كما انه وبنفس الدرجة وربما أكثر فانه ليس بسلطة ولا يمت بأية صلة لأية سلطة من أي نوع كما انه ثالثا ليس برقابة وهو بالحقيقة ليس بأي شيء وكل هدا للأسف حقيقة لا تسرنا وليست بحاجة إلى عميق إثبات وهي والاهم من دلك من الحقائق التي قد لا يختلف حولها الكثيرون أو الكل في سوريا رغم أن الكثير الكثير هو مما نختلف عليه.
ما أثارني رغم أنني اكره الإثارة حتى في البرامج والمسلسلات التلفزيونية وجعلني امسك القلم رغم إيثاري أن أتوقف قليلا عن الكتابة واعتبر الصوم عن الكتابة موقفا وان اختار الكتابة عن ذلك المجلس المسكين وعن البؤساء الذين في داخله المساجين فوق مقاعدهم والصائمين مثلي ولكن بحب ورغبة عن الكلام (أي كلام) هو تصريحات السيد الأبرش رئيس دلك المجلس الذي صدق المثل القائل فيه (صمت دهرا ثم نطق…) بعد أن عقد طاولة مستديرة داخل المجلس في الخامس عشر من أيلول 2009 محتفلا باليوم العالمي للديمقراطية (الموقع الرسمي لمجلس الشعب على الانترنت) ليصرح بعد الانتهاء من طاولته مكتشفا (أن سورية كانت سباقة لتطبيق الديمقراطية في مجالات الحياة كافة والتي ظهرت من خلال مجلس الشعب والجبهة الوطنية التقدمية وقانون الإدارة المحلية).
أعدت قراءة التصريح عدة مرات وأنا أتساءل هل يسخر الابرش من المجلس والجبهة والإدارة المحلية أم انه يتكلم فعلا بصدق ويعبر عما يجول في نفسه؟ وهل يمكن فعلا لإنسان في هدا القرن ويدعي انه حاصل على شهادة الدكتوراه من دولة غربية ويعلم العالم كيف هو اليوم وعاش لفترة غير قصيرة داخل وخارج البلد أن يتكلم هدا الكلام؟
ثم قلت في نفسي ربما كان الابرش يعني في كلامه الماضي البرلماني المشرق لسوريا تلك التجربة الغنية التي سبقت العديد من الدول (بمن فيها بعض دول أوربا) تلك التجربة التي تعود في تاريخها إلى العشرينيات حيث لم يكن الابرش ولا حزبه ولا حركته التصحيحية المباركة ولا جبهته الوطنية التقدمية ولا إدارته المحلية قد خرجت إلى الوجود، ولكن التصريح كان للأسف غير ذلك فهو مصمم على الجبهة والإدارة المحلية ويعتبرهما انجازا عظيما من الانجازات الديمقراطية ليس في سوريا وحدها بل على مستوى الإنسانية حيث اعتبر في تصريحه أن سورية كانت (سباقة).
ولا اعرف الآن من أين أبدا هل من المجلس نفسه أم من الجبهة أم من الدستور أم من الإدارة المحلية ؟؟؟
هل من المجلس الذي مدد الحكم لحافظ الأسد خمس ولايات كل منها سبع سنوات وهو الذي واجه انتقادا شديدا من حزب البعث (من خارج المجلس) في 18/4/1948 لأنه جدد العهد للزعيم الوطني الكبير شكري القوتلي لفترة رئاسية ثانية وأخيرة لخمس سنوات واعتبر البعث هدا التمديد في حينها (تجديدا للحكم الديكتاتوري).
المجلس الذي قطع جلسته لأن احد أعضائه (منذر الموصلي) طلب من رئاسته بتوضيح دستوري يتعلق بآلية تعديل الدستور على مقاس المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية فهاجمه (القدورة) ومسح فيه الأرض واعتبر أن نفس النائب السوري قد أمرته بالسوء وجعلوه يعتذر كطفل صغير على شاشة التلفاز.
المجلس الذي حمى تجار المخدرات والمهربين والفاسدين ورفع الحصانة أثناء عطلته عن اثنين من أعضائه بعد أن اعتقلتهم الأجهزة الأمنية وأصبحوا في سجونها احدهم لأنه هاجم صفقة الخلوي وهو أمر من اختصاصه كعضو برلمان والثاني لأنه اعتصم في مكتبه واصدر بيانا.
__________
 
(2)
قلنا في الجزء الأول من البؤساء: بالفعل لقد سبقت سوريا العديد من دول العالم بتجربتها الديمقراطية ولكن ليس على زمن الابرش ورفاقه وقد تجلت تلك الأسبقية بالتجربة البرلمانية التعددية الغنية وليس بتجربة الجبهة (المسخ المنقول عن دول أوربا الشرقية المنهارة أنظمتها والغير مأسوف عليها).
لقد تشكلت بضغوط شعبية حقيقية تحررية وطنية عام 1927 أول جمعية تأسيسية وكان من ابرز مكوناتها زعماء وطنيون كبار جدا (بالعذر من السيد الأبرش طبعا) على رأسهم إبراهيم هنانو وهاشم الاتاسي وغيرهم من الوجوه الوطنية المعروفة.
في نيسان 1928 جرت انتخابات للجمعية التأسيسية ووضع دستورا دائما للبلاد اقره المفوض السامي الفرنسي في 14/5/1930 مع بقاء شئون البلاد الحساسة (كالجيش والجمارك والأمن العام والأمور الخارجية وغيرها) بيد المفوضية العليا الفرنسية.
ورغم دخول هذه الأحزاب ضمن اللعبة البرلمانية والدستورية فإنها قد استمرت في نشاطاتها المناوئة للانتداب الفرنسي بالاحتجاجات والمنشورات والإضرابات والمظاهرات، وكان أهمها الإضراب الخمسيني فيما بين 19/1 و8/3/1936 والذي وجدت بعده السلطة الفرنسية نفسها مجبرة على توقيع معاهدة 9/9/1936
واستمر النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي واجتمع المجلس النيابي من جديد في 17/8/1943 والذي سيطرت عليه أغلبية من الكتلة الوطنية وانتُخب القوتلي رئيساً للجمهورية السورية والذي كلف بدوره سعد الله الجابري بتشكيل الوزارة، وكان لهذا البرلمان ولهذه الحكومة ولحكومة فارس الخوري التي أتت بعدها مواقف مشرقة، أهمها رفض توقيع معاهدة مع فرنسا (تتمتع فيها بامتيازات داخل سورية) فقامت السلطات الفرنسية في 29/5/1945 بقصف دمشق للضغط على القوتلي لكن الاستمرار والصمود (إضافة إلى الضغوط الخارجية من بريطانيا وهيئة الأمم المتحدة) جعلت فرنسا تدفع ثمنا باهظا، ما دفعها إلى الموافقة على الجلاء عن سورية في آذار 1946 وتنفيذ هذا التعهد في 17/4/1946.
وما لبثت فرنسا تخرج من سورية ولبنان حتى بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا تسعيان إلى مد نفوذهما إلى هذه المنطقة الحساسة. وطُرحت مشروعات غربية عدة، كان من أهمها مشروع "سورية الكبرى". إذ ما أن حصل الأمير عبد الله في 22/3/1946 على استقلال الأردن حتى أعلن نفسه ملكاً على المملكة الهاشمية وباشر بإحياء مشروع سورية الكبرى، وفي آب 1946 وجه دعوة إلى سورية ولبنان للعمل على تنفيذ هذا المشروع، وفي 2/9/1947 وبعد اجتماعات ومداولات عاصفة في أروقة المجلس النيابي وتحت قبته استنكر هذا المجلس في بيان أذاعه هذه الدعوة، وفي 29/9/1947 أعلن المجلس عن رفضه التام لهذا المشروع واعتبره (مشروعاً تتستر خلفه مطامح شخصية ويحمل في طياته تفجيراً لميثاق الجامعة العربية وقيوداً استعمارية تمس استقلال البلاد ونظام الحكم فيها).
كما طرح مشروع آخر هو مشروع "الهلال الخصيب"، ويتلخص في محاولة إقامة اتحاد فيدرالي بين الأردن والعراق وسورية ولبنان، ولاقى هذا المشروع نفس المصير الذي لاقاه المشروع الأول، ولم يجد أحدا يتعاطف معه باستثناء الحزب القومي السوري الاجتماعي. وكان فشل هذين المشروعين انتصاراً هاماً للمحور المصري السعودي على المحور العراقي الهاشمي، وكان للبرلمان السوري والقوى السياسية السورية دور كبير في تحديد مستقبل سورية وانحيازها الإقليمي والدولي.
أما الحركة العمالية التي ازدهرت بشكل كبير فقد استطاعت عبر إضرابات متواصلة الحصول على أول تشريع للعمل، هو قانون العمل رقم 279، الذي شكل في حينه انتصاراً كبيراً للطبقة العاملة السورية وخفف الظلم والاستغلال عن هذه الطبقة.
موقف آخر مشرف وقفه البرلمان السوري ضد مشروع المرسوم 50 لعام 1946 الذي اقترح منح وزير الداخلية سلطة واسعة في ترخيص الأحزاب السياسية والجمعيات والمطبوعات، وقد وقفت جميع التنظيمات السياسية ضد هذا المشروع واعتبرته مخالفا للدستور ونظمت المظاهرات العارمة، ورفضه البرلمان في جلسته بتاريخ 14/11/1946.
مناقشات عاصفة وخرج البرلمان بإرادة قوية بجعل الانتخابات تتم على أساس قومي دون أي تمييز بسبب الدين أو المذهب أو الطائفة وبالفعل صدر هذا بموجب مرسوم في 4/6/1947 وفي هذا الوقت انعقد المؤتمر التأسيسي لحزب البعث في 4/4/1947 واستمر لمدة ثلاثة أيام، ونتج عنه صدور أول دستور للحزب أقر في مادته الرابعة عشرة أن نظام الحكم الذي يتبناه البعث هو نظام نيابي دستوري والسلطة التنفيذية مسئولة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة (ولكن أين بعث الأمس من بعث اليوم؟). وقد تم الانقلاب على هذا الدستور فيما بعد (عندما تسلل العسكريون إلى الحزب).
في 17/7/1947 جرت أول انتخابات في ظل الاستقلال وكانت نتيجة هذه الانتخابات مجلساً حوى أغلب التكتلات السياسية النشطة على الساحة السياسية السورية واحتفظ فيها الحزب الوطني بأربعين مقعداً، في حين حصل الأحرار أو الشعبيون على 30 مقعداً، ونجح أكرم الحوراني عن حزب الشباب ورشاد برمدا عن الحزب القومي العربي في حين سقط عفلق والبيطار بالإضافة إلى جميل مردم عن الكتلة الجمهورية إضافة إلى اكثر من 50 من المستقلين.
وكانت القضية الأولى التي ناقشها برلمان 1947 هي تعديل الدستور بجعله يتيح لشكري القوتلي إعادة انتخابه رئيساً للجمهورية خمس سنوات أخرى، وبعد جلسات هائجة من النقاش والأخذ والرد اقر المجلس بإجماع أعضائه هذا الاقتراح في 18/4/1948 ووقف البعث حينها في المعارضة لهذا الاقتراح من خارج البرلمان واعتبر إعادة ترشيح القوتلي تجديداً للحكم الديكتاتوري؟!! (لا أعرف حينها أين كان الأبرش).
ومن المواقف المشهودة للبرلمان السوري رفضه بالإجماع جميع مشروعات تقسيم فلسطين ودعوته الجماهير إلى التطوع في جيش الإنقاذ ووجوب مشاركة الجيش السوري في تحرير فلسطين. وبعد الهزيمة حمل البرلمان حكومة مردم مسئوليتها واتهمها بالفساد في تجهيز الجيش وبسرقة المجهود الحربي، وتحت الضغط البرلماني استقال الشراباتي (وزير الدفاع). ونتيجة للنقد المتزايد قام مردم بتعطيل عقد جلسات البرلمان، لكنه اضطر في النهاية بتاريخ 21/8/1948 إلى تقديم استقالة حكومته وتشكيل حكومة جديدة في 23/8/1948. (هل يستطيع الأبرش ورفاقه مناقشة الأموال التي يسحبها الجيش والاجهزة الامنية حتى ولو في جلسات سرية؟؟)
والملاحظ هنا أن شكري القوتلي - الزعيم المحنك الوطني المعروف - والذي كان ينتمي إلى الحزب الوطني قد استطاع أن يكون رئيساً للجميع وأن يقف على مسافات متساوية من كل القوى والتشكيلات السياسية والحزبية، ما أظهره بمظهر الزعيم الوطني الحيادي أمام الجماهير السورية بأسرها وأكسبه احترام وتجاوب الجميع معه. ولعل تكليفه هاشم الأتاسي المنتمي إلى حزب الشعب - العدو التقليدي لحزبه والمناقض التاريخي لمشروعه - كان من اكثر المواقف دلالة على هذا الموقع المتألق الذي احتله في تاريخ الحكم السياسي في سورية، إضافة إلى استقالته لصالح الرئيس جمال عبد الناصر أثناء الوحدة، وغيرها من المواقف النادرة التي يجب أن تُذكر للتاريخ.
ومن المواقف المشرقة للبرلمان السوري رفضه التصديق على اتفاقيتي النقد مع فرنسا والتابلاين مع أمريكا، وكذلك التحقيق مع العديد من العسكريين بتهم الفساد والاختلاس داخل الجيش؟؟؟!!!
وكل هذا كما سنرى عجل في سعي العسكريين للانقضاض على الحكم المدني البرلماني وهذا ما حصل فعلاً مع انقلاب حسني الزعيم في آذار 1949. وبالفعل ففي 30/3/1949 وبأمر من العقيد حسني الزعيم قامت فصائل من الجيش بمحاصرة مباني رئاسة الدولة والبرلمان والوزارات واعتقل شكري القوتلي ورئيس الوزارة خالد العظم.
__________
 
 
(3)
كنا ننتظر من الابرش رئيس المجلس أثناء طاولته المستديرة بمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية أن يقدم رؤية نقدية للواقع المأساوي الذي وصلت إليه حال الحريات في سوريا وان يدعو إلى تعددية حقيقية تكون بمثابة إعلان وفاة ودفن للصيغة المسخ صيغة الجبهة الوطنية التقدمية التي دخلت في مرحلة الموت السريري منذ الإعلان عنها عام 1972 بعد أن افقدها ميثاقها الغريب العجيب من أي مضمون حقيقي للتعددية أو المشاركة.
كنا ننتظر منه وهو من يعتبر نفسه شيخ ممثلي الشعب السوري أن ينتقد حالة القطع التي أقدم عليها الجنرالات عندما هجروا ثكناتهم وامتهنوا السياسة فأهانوها وتحولت في هذا البلد شيئا فشيئا إلى غنيمة ينهش منها الفاسدون والمفسدون وحولوا المجلس الذي ارتضى أن يكون رئيسا له إلى ثلة من المصفقين و المهللين اللذين تفرض عليهم التوجهات ليصيغوها وفق رؤية أحادية ضيقة أوصلت البلاد والعباد إلى الحالة التي عليها الآن.
كنا ننتظر منه أن يتكلم باسم السوريين جميعا لينتقد أولا تكوينة المجلس الذي يمثلهم وان يتكلم عن شرعية تمثيل 60% من أعضائه لحزب واحد وان يتكلم عن آلية اتخاذ القرار داخل المجلس وعن قدرته على اتخاذ القرار وعن تأثيره في السياسة العامة للبلاد.
كنا نتمنى منه أن يطالب النواب (ممثلي الشعب) مناقشة دستور البلاد بنظرة عصرية وإعادة مناقشة مواده وخاصة المادة الثامنة منه التي لم يعد لها مثيلا على وجه الأرض والتي تمنح حزبا وحيدا حق التصرف في البلاد وتحويلها إلى مايشبه المزرعة الخاصة.
كنا نتمنى منه أن ينتقد الآلية الغريبة لانتخاب أعلى هيئة قيادية في البلد وان يرفض صيغة القيادة القطرية لحزب البعث ودورها كمؤسسة حزبية في اختيار مرشح وحيد للرئاسة وان يتحول دور مجلس الشعب إلى مجرد خاتم رسمي يوضع في ذيل ورقة الترشيح.
كنا ننتظر منه أن يقيم تجربة الجبهة الوطنية التقدمية بعد مايقارب الأربعين عاما على إنشائها بشكل حقيقي بعد أن تحولت تلك الجبهة بأحزابها إلى كيانات متطابقة ومزارع عائلية يتحكم فيه زعيم الحزب وأبنائه وزوجاته وعائلته بدءا بحزب بكداش الزعيم التاريخي للشيوعيين السوريين الذي ورثته منه زوجته (وصال فرحة) وابنهما المدلل (عمار) وأدى دلك إلى مزيد من التشرذم في صفوف الشيوعيين المتشردمين أصلا بين جناح يوسف فيصل وجناح رياض الترك و خيرا مجموعة قاسيون (قدري جميل).
مثال آخر عن تلك النماذج وهي حركة الاشتراكيين العرب التي تشردمت إلى أجنحة متصارعة جناح حمدون وعثمان وعياش وقد كان لي قبل سنوات صدفة حضور احد مؤتمرات الحركة (جناح عثمان) في مدينة حلب وكانت كل النقاشات والصراعات يومها حول السيارات والمكاسب ومقاعد الإدارة المحلية التي يفخر بها الابرش وكان معنا يومها احد وزراء الحركة (الوزير الشعار).
أما النماذج الناصرية في الحركة فهي لا تقل سوءا فهناك فصيل فايز إسماعيل وهو بعثي سابق وفصيل احمد الأسعد الذي ورث الأمانة العامة في ابنه فراس الأسعد وجناح كريم الشيباني وأخيرا صفوان القدسي الذي تحول مؤخرا في أفكاره من الناصرية إلى الاسدية والذي نصب زوجته السيدة بارعة القدسي في عام 2000 وزيرة ممثلة عن الحزب داخل الحكومة.
كنا ننتظر من الابرش وهو يتحدث عن الديمقراطية أن يتحدث أيضا عن تراجع القيادة السياسية عن خطاب القسم وخاصة فيما يتعلق بالحريات العامة واحترام الرأي الآخر وان يناقش مسألة الإعلام الوطني وان ينتقد بشدة الإقصاء الممنهج لأي رأي مخالف عن أي منبر إعلامي داخل البلد.
كنا ننتظر منه أن يطالب بالإفراج الفوري عن جميع السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي وان يطالب وبقوة بإغلاق ملف الاعتقال السياسي وان يطالب أيضا (وهو الحريص على الديمقراطية) بإعلام وطني مستقل بدل أن يتستر ويصمت عن حالة كم الأفواه التي تمارس ضد كل رأي مخالف أو غير مرغوب فيه كما حصل مع إقصاء رئيس تحرير صحيفة (الثورة) المرحوم محمود سلامة وكما حصل مع فرزات عند إيقاف إصدار صحيفة الدومري (رغم أن إصدارها كان بدعم مباشر من رئيس الجمهورية).
كما كنا ننتظر منه أن ينتقد قانون النشر والمطبوعات وان يناقش مع نوابه إصدار تشرع عصري وديمقراطي بدلا عن القانون الحالي يكفل فيه حرية التعبير والتعددية الثقافية والسياسية القائمة داخل البلد.
كنا ننتظر منه أن ينتقد الطريقة التي تتعامل فيها الأجهزة الأمنية مع المعارضة السياسية السلمية بمن فيهم أعضاء البرلمان أنفسهم كما حصل مع النائبين سيف والحمصي وان يشير إلى الخطأ الفادح الذي ارتكبته هده الأجهزة بإغلاقها المنتديات التي انتشرت هنا وهناك لإعادة الحراك المجتمعي الثقافي السياسي إلى حالته الطبيعية وإيجاد مناخات جديدة للقبول بالآخر وللحوار الديمقراطي الذي سحقه العسكر باحديتهم العسكرية مند مايزيد عن النصف قرن.
كنا ننتظر منه ومن رفاقه المجتمعون من أجل الديمقراطية أن يشيروا إلى الفساد المستشري في جسد الدولة ينخر فيها وبشكل خاص إلى قضية شركات المحمول المثيرة للجدل همسا في كل بيت وان نعلم وبشفافية لماذا الحديث بقضية المحمول محرما؟
كنا ننتظر منه أن يتحدث عن دور أجهزة الأمن وان يطالب بتقييد حركتها وتدخلاتها في كل أمر وان يتم تحويل مكاتبها المنتشرة في كل مكان إلى معاهد لنشر الثقافة المعلوماتية كما أوصى زميله مأمون الحمصي قبل سنوات.
كنا ننتظر منه الكثير ولكننا انتظرنا كثيرا فوجدناه قد صمت دهرا ثم نطق كفرا فيا ليته عاش ومات كما فعل قبل الآلاف من الصامتين.
لقد كان الأجدر به أن يطالب الحكومة بتبني مطالب المثقفين السوريين بدل أن يزج بهم داخل السجون أو يتم نفيهم خارج البلاد أو الضغط عليهم في قوت يومهم واتهامهم تارة بالخيانة والغدر وتارة بتلقي الأوامر من السفارات الأجنبية وتارة بإضعاف الشعور القومي ومحاولة قلب نظام الحكم بالقوة.
كان الأجدر به أن يطالب بميثاق وطني جديد يساهم بإخراج البلاد من أزماتها ليقويها على أعدائها ويعيد إلى المواطن شعوره بآدميته المهدورة ويعاد فيه الاعتبار إلى القانون بدل الحالة المزرية من الامتيازات والمحسوبيات التي تغرق فيها البلاد وان تحل فيه الإمكانيات والكفاءات الحقيقية عن الواسطات وعن رموز السرقة والفساد وان يكفل فيه الحق للجميع المساواة في الحقوق والواجبات تحت سقف قانون محايد وعادل.
كنا ننتظر من الابرش ورفاقه أن يعبروا من خلال طاولتهم المستديرة عن رغبتهم بعودة كل السوريين المنفيين حول العالم خارج وطنهم وعن إنشاء منظومة ديمقراطية تكفل حرية اعتقادهم دون أن يتعرضوا للإعدام بسبب انتمائهم وان ينتقد تصريحات وزير الدفاع الأسبق صاحب دار النشر ومصانع المرتديلا ومؤلف كتب الطبخ والمطبخ والبصل والثوم حيث صرح لإحدى الصحف عام 2001 عن إمكانية عودة الإخوان المسلمين إلى سوريا حيث قال (إننا نحن أصحاب الحق ولن نوافق على اخذ هدا الحق من يدنا , هده السلطة تؤخذ كما هو معروف بفوهة البندقية وعليه نحن أصحابها).
كنا ننتظر منه أن ينتقد أداء الحكومات المتعاقبة والتي أضرت كثيرا بالبلاد حيث استشرى الفساد والكساد والبطالة والفقر وتراجعت وبشدة الخدمات وحدث نقص شديد في الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء وارتفاع كلفة الاتصالات والغلاء الشديد في المعيشة وارتفاع أسعار المحروقات وضعف الرواتب والأجور مقارنة بالاحتياجات الأساسية وبالتالي ارتفاع نسبة الجريمة من قتل وسرقة واحتيال واغتصاب لم يسلم منها حتى أطفالنا في موجة غريبة من جرائم الاغتصاب التي يتعرض لها الأطفال في أخبار شبه يومية عن حالات جديدة إضافة إلى انتشار الرذيلة والانحطاط الاجتماعي والخلقي والتفكك الأسري.
كنا ننتظر منه أن يطالب الحكومة بتنفيذ تعهدات القيادة بنشر التقانة المعلوماتية ورفع الوصاية الأمنية عن شبكة الانترنت التي تعاني من الرقابة والبطء والغلاء واغلب المواقع التي تتكلم برأي آخر محجوبة حتى أننا حصلنا وبجدارة على آخر سلم الترتيب العالمي بالمواقع المحجوبة.
كان عليه أن ينزل إلى الشارع ليجد أن أكثر من 90% من الناس قد تراجعت حالتهم المعيشية وان البلاد تعيش أزمة اقتصادية خانقة دفعت بالشباب إلى العزوف عن الزواج وزادت في نسب الطلاق والعنوسة وسط حالة الغلاء غير المسبوقة حيث يباع اللحم السوري خارج سوريا اقل مما يباع داخل سوريا بمعدل 200 - 300 ليرة سورية إضافة طبعا إلى الغلاء غير المبرر في أسعار الأراضي والمساكن وقلة الفرص الوظيفية وارتفاع متوسط المصاريف.
ولعله يعلم أن الاقتصاد السوري يعاني مند مدة طويلة نموا سلبيا والتضخم اليوم في أعلى مستوياته ورغم عدم وجود إحصائيات وأرقام شفافة فان اغلب التقديرات تشير إلى نسب تتضخم تتراوح بين 12 - 20%, أما الصادرات الخارجية فهي تعاني من ضعف المنافسة وارتفاع التكلفة وهي في أحسن أحوالها تعاني من الجمود وفي الغالب فهي في وضعية تراجعية تسببت في إفلاس العشرات من المشاريع وإضافة أعداد كبيرة إضافية إلى الجيش العاطل عن العمل الموجود أصلا إضافة إلى التراجع الهائل في كمية النفط الذي تتناقص كمياته واحتياطياته بمعدل 5% سنويا.
البنية التحتية في الدولة قديمة ومتهالكة حالة الطرق يرثى لها وتكاثر السكان زاد في نسب اهتلاك هده البنية الضعيفة أصلا وسوريا تعاني اليوم من نقص شديد في الماء والكهرباء يتسبب في قطعهما عن الناس والمنشآت ساعات طويلة يوميا ناهيك عن الانتشار الكثيف للسكن العشوائي والمخالف الذي يشكل أكثر من 40% من حجم السكن في المدن الرئيسية حيث تقطع عنهم الماء والكهرباء لفترات أطول وأحيانا لعدة أيام.
ولن ننسى طبعا قضية الفساد الكبرى التي أدت إلى انهيار سد زيزون عام 2002 بعد ست سنوات فقط من تدشينه والذي سبب انهياره بكارثة إنسانية وبيئية كبيرة وتسبب بتشريد عشرات الآلاف عن منازلهم وفقدان محاصيل كثيرة والتسبب بخسارة كميات هائلة من المياه المخصصة للزراعة والري.
الهجرة من المدينة إلى الريف ما زالت تتم بشكل متسارع مما تسبب باكتظاظ المدن بالوافدين وانتشار أحزمة الفقر والبؤس حول المدن وتراجع سوق العمل وارتفاع نسبة البطالة بنسبة تزيد عن 28% أكثر من 70% منهم من فئة الشباب وأكثر من 40% من المتعلمين وخريجي المعاهد والجامعات.
وحيث أن الابرش ومن معه من البؤساء يعلم كل ماقلنا ونعلم انه يعلم ولن يتكلم فإنني أتمنى عليه باسم كل السوريين أن يصمت فالصمت من دهب ادا كان الكلام من فضة فما بالكم ادا كان الكلام دلك الذي نطق به بعد صمت طويل؟
نتمنى عليه الصمت والاكتفاء بهز الرأس والتصفيق والتهليل والهتاف بالروح بالدم إلى الأبد إلى الأبد وهدا للأمانة ما تعودنا عليه من مجلسه العتيد لقد نشأنا وترعرعنا في كنف الحزب القائد وجبهته التقدمية ومجلسه الصامت أبدا وهو ما يتباهى به الابرش وتعلمنا مند نعومة أظفارنا أن من يريد الحياة عليه أن يتعلم الهتاف كانوا أساسا يدرسوننا الهتاف بدل الأناشيد ويشحطوننا كالقطيع إلى المسيرات كي نمارس الهتاف والتصفيق لقد كنا صغارا ياسيدي أما أن نكبر ونصبح نوابا ورؤساء مجلس ونستمر بالهتاف فهدا مالا نقبله لا على المجلس ولا على رئيسه.
سيدي رئيس المجلس إن مجلسكم هدا قد استقال من وظائفه من زمن طويل وأصبح عبئا علينا وعلى موازنتنا الضعيفة أصلا من رواتب وأجور وسيارات وامتيازات تماما كما استقالت جميع مؤسسات المجتمع المدني في بلادنا وهدا أمر يؤسفنا ولا يسرنا خاصة وأن سوريا صاحبة ارث وطني تعددي ديمقراطي ثري وهو كما قلت آسفا حال لاينسحب على المجلس ومن فيه فقط بل تمتد ذيوله إلى الإدارة المحلية التي تفخرون بها والى الجبهة التقدمية وحتى إلى الاتحادات والنقابات المهنية وحتى الجمعيات الأهلية وللأسف فان كل المحاولات الجارية الجدية للنهوض من جديد بتلك المؤسسات أو بإنشاء مؤسسات جديدة تواجه بالقمع والرفض والإقصاء.
أخي الابرش لقد كان الأجدر بكم أن تشيروا إلى هدا الواقع وان تشرحوا أسبابه ومسبباته والوسائل الناجعة للخروج ببلادنا من أزماتها المتفاقمة والمزمنة وصدقني فان التاريخ لن يرحمنا وحيث أن تشخيصكم جاء بعد صمت على الشكل الذي خرجتم به من طاولتكم فإنني أقول لكم بأنكم بعيدون بعد الشمس عن الديمقراطية وتلك كلمة حق نقولها بمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية التي احتفلتم بها في مجلسكم.
 

عن موقع (أخبار الشرق) 30 أيلول/ 1 و 4 تشرين الأول 2009

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ملفات خاصة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “ملف- البؤساء… مجلس الشعب السوري”

  1. إنها امانة معلقة في اعناقكم ستسألون عنها يوم القيامة أن تدعموا أهلكم في غزة الصمود بمالكم ودمائكم وكلامكم وافواهكم وامانة ايضا ان تحدثوا عنها الناس وتخبروهم عنها عن حصارها القاتل عن صغارها والارامل لتصل الصورة للجميع لا تحرمونا من زيارة

    منتديات البركان الغاضب

    borkan-g.yoo7o.com

    آن الأوان ان تكون صوتا من الاصوات النبيلة فسارع للتسجيل

    لنقوم معا ببناء صوت يستحق ان يتكلم باسم الحق

    ايها الأخ/ت ايها العربي/ة ايها المسلم/ة لا تكون/ي

    شيطان اخرس وقم بدعم صمود اهل الرباط



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



سوري... يا نيالي  هم الدنيا كلو ببالي...  َطَفر وضَجر وضهري انكسر... والدولة ما بترثي لحالي !!