تراثها يتعرض للالغاء لكن سكان دمشق وزوارها مشغوفون بها!
كتبهاnehad alshami ، في 17 كانون الأول 2007 الساعة: 14:10 م
بقلم: محمد منصور
تحتفل دمشق العام 2008 باختيارها عاصمة للثقافة العربية. المناسبة ليست استثنائية، فهي مجرد تقليد دوري، يشمل كل العواصم العربية بلا استثناء…. لكن بالنسبة لمدينة دمشق ثمة الكثير من الظواهر الثقافية والتراثية والتاريخية التي يمكن أن تضفي الكثير علي مناسبة روتينية كهذه وليس العكس!
ولعل الظاهرة الأكثر إثارة للتساؤل في نسيج دمشق الثقافي، هي ظاهرة الكتب الكثيرة التي تناولت تاريخ وتراث دمشق الموغل في القدم، وسعت لتوثيق كل شيء في تاريخ وجغرافيا وتكوين المدينة، ومظاهرها الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والجمالية…. والتي لم تتوقف علي مر العصور، بل وبرزت وتنوعت بوضوح بعد دخول عصر المطابع ودور النشر… ولم تقتصر علي نسيج التاريخ والتراث والعمارة، بل دخلت الأدب… فصار لدمشق حضور كبير في أشعار نزار قباني وقصص ألفت ادلبي وقمر كيلاني وزكريا تامر وروايات غادة السمان وخيري الذهبي وفواز حداد!
تاريخ ابن عساكر: 16000 صفحة!
والحق أن الكتب التي تحدثت عن دمشق وتاريخها كثيرة، وثمة من يذكر أن هناك قرابة مئتي مؤرخ لهم ما يزيد عن ثلاثمئة وخمسين أثراً وكتاباً عن دمشق، ومن المؤسف أن ثلاثة أرباع هذه المؤلفات القديمة قد ضاعت… الا أن أشهرها على الاطلاق يبقي (تاريخ مدينة دمشق) لمؤرخ الشام ومحدثها الحافظ بن عساكر (1105 ـ 1176) الذي وضعه قبل نحو تسعة قرون، ويعد بحق موسوعة ضخمة لا مثيل لها في التأريخ لأي مدينة أخري، حيث يقع الكتاب في ثمانين مجلداً تبلغ (ستة عشر ألف صفحة) ويقع الكتاب في قسمين رئيسيين، خص ابن عساكر القسم الأول منه بمدينة دمشق، فتحدث عنها حديثاً مستفيضاً: اشتقاق تسميتها، فضائل أهلها، طيب هوائها، سنة افتتاحها، شرف جامعها، حصر مساجدها، الأنهار المحتفرة بها، وتسمية أبوابها ونسبة هذه الأبواب. وذلك كله بعد أن ذكر اشتقاق اسم (التاريخ) ومبتدئه، وتطرق الي تاريخ الهجرة النبوية، واشتقاق تسمية الأيام والشهور.
أما القسم الثاني من الكتاب فقد ضمنه تاريخ بلاد الشام مقتفياً في ذلك طريقة المحدثين من حيث العناية بالسند كالعناية بالخبر. وحين ترجم للقواد والخلفاء والأمراء، لم يفته أن يسوق تراجم المحدثين و الفقهاء والشعراء… اذ ترجم فيه لكل من دخل مدينة دمشق، أو اجتاز بنواحيها من العلماء والأكابر، وقد رسم بذلك لبلاد الشام الصورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في جاهليتها وصدر اسلامها، في العصر الراشدي وفي العصر الأموي ثم ذهب بعيداً في عصر بني العباس حتي وصل الي عصره (القرن السادس الهجري). عبر تاريخ امتد قروناً وقف له مؤلفه جل عمره. وانتهي بوفاته سنة 571هـ ـ 1176م.. بعد أن صرف في تأليف وجمع مادته ما يزيد عن ثلاثين سنة متواصلة.
ويذكر الباحثون أن (تاريخ دمشق) لابن عساكر لا يزال في معظمه مخطوطاً، موزع الأجزاء بين مكتبات مختلفة في دمشق والقاهرة واستانبول والهند وغيرها… لم يطبع منه سوي القليل… الا أن ما طبع وتم تداوله كان كافياً ليكون أمثولة في حب التأريخ لدمشق…
(حوادث دمشق اليومية): الحلاق الذي يؤرخ لعصره!
والواقع أن حب التأريخ لدمشق ومجتمعها وتراثها وعادات وتقاليد وطبائع أهلها، وحوادث زمنها، لم ينقطع يوماً… ومن الطريف أن الأمر لم يقتصر علي كبار المؤرخين والعلماء، مثل ابن عساكر… بل امتد ليشمل طبقة عامة الناس… فها هو أحد المشتغلين بمهنة الحلاقة من أبناء دمشق أواسط القرن الثامن عشر، (أحمد البديري الحلاق الدمشقي)، يؤلف كتاباً بعنوان (حوادث دمشق اليومية) يرصد فيه بعض الأحداث التي عاصرها خلال احدي وعشرين وسنة بين (1741 ـ 1762) م. فرصد تولي الباشاوات وكبار أصحاب المناصب، وعزلهم ومصادرة أموالهم كالمتسلم والدفتردار والقاضي والمفتي وأغوات العسكر… كما تحدث عن أبناء الحجاج في طلوعهم وعودتهم وما جري لهم في الطريق، وغلاء الأسعار واضطراب الأمن وفساد الأخلاق وانتشار الأمراض وغزو الجراد، ووفاة عالم أو متصوف أو نقيب حرفة، وحدوث ظواهر طبيعية من ريح شديد وكسوف وخسوف وزلازل.
ومن حوادث عام 1743 م يذكر البديري في كتابه شيئا عن حركة عامة الناس في مواجهة غلاء الأسعار فيقول:
(وفي يوم السبت الثامن والعشرين من جمادي الأولي من هذه السنة قامت العامة، وهجمت علي المحكمة… وطردوا القاضي ونهبوا الأفران. وسبب ذلك كثرة الغلاء، والازدحام علي الأفران، وقلة التفتيش علي أصحاب القمح والطحان والخزان، فتلافي حضرة الوالي سليمان باشا هذا الأمر، وأرسل يشدد علي الطحانة والخبازة، ويهددهم ويخوفهم، فحالاً ُوجد الخبز، وتحسن وكسد، بعدما كان غالب الناس يبيتون بلا خبز، فابتهلت الناس بالدعاء لحضرته).
ويرصد البديري في صورة طريفة تقاليد النزهة أو السيران الدمشقي علي ضفاف بردي، فيقول خاتما وصفه بموال:
(وفي يوم الخميس ثامن عشر ربيع الأول، خرجنا الي سيران بناحية الشرف، المطل علي المرجة مع بعض أحبابنا، وكان الوقت في مبادئ خروج الزهر، وجلسنا مطلين علي المرجة والتكية السليمانية، واذا بالنساء أكثر من الرجال جالسين علي شفير النهر، وهم علي أكل وشرب وتتن (أي تدخين) كما تفعل الرجال… وهذا شيء ما سمعنا بأنه وقع نظيره حتي شاهدناه، ولا حول ولا قوة الا بالله. ثم لم نزل في سرور وانبساط حتي أنشدت هذا المواليا فقلت:
مضي لنا يوم مثله ما سبق يا خال في مرجة الشام ما تشوفون موضع خال
ملا خميس مضي ما صادفه أرزال في ثامن عشر ربيع الآخر راد البرد
ياهل الأدب أرخوه الضيق عنكم زال)!
(الروضة الغناء في دمشق الفيحاء): تاريخ التعايش الديني!
واذا كان البديري الحلاق يرصد سلوك المجتمع وأخلاقه في زمنه من منظور ديني اسلامي لا يخلو من تشدد… فان أبناء دمشق من الديانات الأخري قد حاولوا أيضاً أن يدلوا بدلوهم في الشغف بتأريخ المدينة… وها هو (نعمان أفندي قساطلي) وهو أحد أبناء دمشق من المسيحيين، يصدر كتابا عنها في نهايات القرن التاسع عشر بعنوان: (الروضة الغناء في دمشق الفيحاء) طبع في بيروت سنة 1879 ولا نعرف مهنة مؤلف هذا الكتاب… الا أن اسم عائلته مشتق من الاشتغال بمهنة (القساطلي) أي صانع القسطل الذي يسحب بواسطته الماء من الأنهر الي الدور وغيرها… أما هو فمن مواليد (دمشق 1854) وينتمي إلى أسرة مثقفة… وقد تقلب في الوظائف والعمل الحر، لكن ذلك لم يحل دون الالتفات الي الكتابة، حيث يذكر بعض الباحثين أنه نشر بعض القصص الأدبية في صحافة دمشق نهاية القرن التاسع عشر… وقد أهدي القساطلي مؤلفه هذا الي والي دمشق آنذاك مدحت باشا.
وقد أرخ القساطلي لدمشق منذ ما قبل الفتح الاسلامي لها، وحتي عهد الأمويين بالعباسيين فالأيوبيين فغزو تيمورلنك فالعثمانيين… كما تحدث عن ابنيتها واسواقها وحماماتها ومقاهيها وخاناتها وفنادقها وأبوابها وحصونها ومنتزهاتها… وقد خص انتماءه الديني اهتماما خاصاً، فتحدث عن جوامع دمشق الي جانب كنائسها وأديرتها وعن مدارس المسلمين كما عن مدارس النصاري وعن مشاهير الصحابة والعلماء الذين دفنوا في دمشق، الي جانب مشاهير القديسين المسيحيين والقديسين الذين نشأوا في دمشق، كما اختص علماء المسيحيين في زمنه بفصل ترجم فيه لهم… لكنه رغم ذلك ختم كتابه بقصيدة عن فضل دمشق لواحد من أشهر علمائها المسلمين في تلك الفترة (عبد الغني النابلسي) يقول في مطلعها:
ان سامك الخطب المهول فأقلقا
انزل بأرض الشام واسكن جلّقا
(قاموس الصناعات الشامية): 437 حرفة!
ومن القرن التاسع عشر الي مطلع القرن العشرين، حيث نعثر علي كتاب فريد من نوعه وضعه أحد أبناء دمشق (الشيخ محمد سعيد القاسمي) الذي انتهي من تأليفه عام 1928، ووثق فيه لكل المهن التي عرفتها دمشق في تاريخها، ومارسها أبناء دمشق من الحرفيين والصناع المهرة… تضمنت (437) حرفة… وقد قدم للكتاب عندما صدر في طبعته الأولي عام 1988، الباحث الفرنسي لويس ماسينون قائلا:
(لقد قمت بدراسة مقارنة للحاضرة الاسلامية. تتبعتها منذ أكثر من أربعين عاماً بين فاس والقاهرة وبغداد واستانبول وأصفهان ودلهي ودمشق… واذا أصالة دمشق المتميزة تثب أمام عيني… ففي دمشق بما خيال الصناع المبدع، وتنوع أكثر ما يكون النمو والتنوع، وبأكثر ما يمكن من التلون والدقة. ولقد أشار غاندي في عام 1947 الي ما اكتسبته مدن الهند، ودلهي خاصة، من الرهافة الفنية، والي أن الفضل في ذلك انما كان علي وجه التحديد لما بلغته الصناعة الاسلامية من اتقان).
ولا يؤرخ القاسمي بدقة مذهلة للحرف والصناعات التي ترسم صورة مجتمع دمشق الزاخر بالحيوية والابداع فحسب، بل يفرد فصلا لأخلاقيات المهن، وآداب الكسب والمعاملة، ومما يقوله في هذا السياق:
(ينبغي على التاجر ألا يثني على السلعة بما ليس فيها، وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئاً أصلا، وأن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئا، وأن لا يكتم ما لو عرفه المشتري لامتنع عنه).
(خطط الشام): شغف القوميات الأخرى!
وليس أبناء دمشق من العرب وحدهم هم من شغفوا بالتأريخ للمدينة، فها هو (محمد كرد علي) المولود في دمشق عام (1876)م، لأب كردي وأم شركسية، قد ذاب في عشق دمشق كما كل أبناء الأقليات أو القوميات التي هاجرت الي دمشق علي مر تاريخها… وكما يتربع (تاريخ دمشق) لابن عساكر علي رأس قائمة كتب التأريخ لدمشق في العصر القديم، فان كتاب محمد كرد علي (خطط الشام) الذي انتهي من تأليفه عام 1925 في ثلاثة أجزاء… يتربع علي رأس القائـــــمة في العصر الحديث حيث طاف بمكــــتبات أوروبا الشهيرة في ايطاليا وسويسرا والمجر؛ طلبا لجمع مادة كتابه هذا الذي يؤرخ فيه للشام ويدون جغرافيتها وحضارتها والذي صرف عليه خمساً وعشرين سنة من عمره.
ولم يكن (خطط الشام) هو وحده ما كتب عن الشام، فقد ألف أكثر من كتاب عنها وعن غوطتها… وفي كتابه (دمشق مدينة السحر والشعر) الذي أصدره في القاهرة عام 1944 يكتب عن غوطة دمشق بلغة أدبية رفيعا فيقول: (أتي لي في الغوطة ستون سنة… تسلمني الطفولة الي الشباب، والشباب الي الكهولة، والكهولة الي الشيخوخة… ولاقيت ربيعها وصيفها وخريفها وشتاءها وما لقيت الا نضرة وسرورا. أنعشني هواؤها، وأدهشتني أرضها وسماؤها، وما فتئت منذ وعيت أقرأ في صفحة وجهها الفتان آيات الابداع والاعجاز. في ربوعها شهدت الطبيعة تقسو وتلين، وتغضب وترضي، فراعني جمالها وجلالها، وشاقني تجنيها ووصالها).
(مرآة الشام): سحر المدينة ينسف التاريخ العائلي!
قصة طريفة لكاتب آخر، كتب وأرخ لدمشـــــق… هو عبد العزيز العظــــــــمة، شقيق (يوسف العظمة) وزير الحربية الشهيد في عهد حـــــــكومة الملك فيصل وبطل موقعة ميسلون… فقد كان عبد العزيز العظمة من الموظفين الكبار في الدولة العثمانية… وظل يعمل في خدمتها بايمان واخلاص حتي بلوغه التقاعد، بعد أن شغل مناصب رفيعة في حياته فعمل مديرا للشعبة الأولي في ادارة الجيش العثماني السابع في اليمن، ثم متصرف لواء الحديدة فيها، ثم متصرف لواء العمارة في البصرة، ومتصرف لواء نابلس وأخيرا متصرفا للواء طرابلس الشام.
كان عبد العزيز العظمة بخلاف شقيقه الذي آمن بمبادئ الثورة العربية الكبري… يري أن التعاون مع الانكليز والفرنسيين ضد أبناء الدين من العثمانيين الأتراك، لا يمكن أن يأتي بخير علي المنطقة… وبعد هزيمة تركيا وخروج العثمانيين من المشرق العربي، انزوي في منزله في وادي النيربين بمنطقة المزة، وهو شيخ في الثمانين من العمر تقريباً رأي عالمه ينهار من حوله ويتبدل… وقد وجد في البداية أن خير سلوي له في عزلته، تأليف كتاب عن سيرة وأعلام عائلته العريقة: (تحديث النعمة في تاريخ بني العظمة) الا أن سحر المدينة نسف الرغبة في كتابة التاريخ العائلي، وتحول المشروع شيئا فشيئا ليغدو بعنوان (مرآة الشام) ويعترف المؤلف في مقدمته:
(ولما استخرت الله وشرعت بالعمل، اعترضني اسم دمشق كالطود الشامخ، وعبثاً حاولت التخلص منه باختصار… فان تنوع المواد وكثرتها وارتباط بعضها ببعض، وتبدل العادات التي كاد يقضي عليها الزمن ويلقيها في زوايا النسيان، ثم تطور الأخلاق والآداب الاجتماعية وتفاقم الخطوب السياسية، اضطرتني الي اطالة الشرح وايداعه هذه الأوراق، عسي أن يجد فيها من يراها مما لذّ وراق). بدأ عبد العزيز العظمة بتأليف كتابه (مرآة الشام) عام 1930 وانتهي من تأليفه عام 1936، الا أنه لم يطبع وير النور الا بعد نصف قرن، حين أصدرت دار الريس طبعته الأولي عام 1987 بعد أن أهدي الورثة المخطوطة الأصلية الي مكتبة الأسد بدمشق… وقد أوصي المؤلف أولاده وأحفاده عن: (حذف أي بحث أو تعديله، أو أي فقرة منه، ولو خالف مذهبكم في السياسة وشذ عن عقيدتكم) ربما لايمانه أن موقفه المناصر للدولة العثمانية حتي بعد سقوطها لن يلقي مؤيدين كثيرين… لكن خلا ذلك فالكتاب يقدم وثيقة هامة عن طبوغرافيا مدينة دمشق، ومناخها واقتصادياتها، وعاداتها وتقاليدها كما كانت عليه في مطلع القرن العشرين، متضمنا احصاءات رقمية لعدد سكان دمشق موزعين حسب الطوائف والأقليات والقوميات… وللعقارات والأبنية، ولتبدلات المناخ، وللطرق وسكك الحديد وميزانية الدولة، ولتقسيمات المدينة وأبوابها… في حالة شغف حقيقي برصد الثابت والمتحول فيها… الأصيل وما يبدو طارئا وهجيناً من وجهة نظر رجل عاش التحولات ورصدها وعبر عن رأيه الأخلاقي فيها.
قمر كيلاني: نوع من التعويض!
تلك كانت مجرد سطور عن نماذج منتقاة من الكتب التي أرخت لدمشق، الا أن سيل الكتب لم ينقطع يوماً، والرغبة الجامحة في توثيق أدق تفاصيل الحياة في هذه المدينة التي لم تتوقف فيها الحياة… لم تفتر. فحتي اليوم تصدر في كل عام كتب جديدة عن دمشق… الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن سر هذه الظاهرة؟!
الأديبة السورية المخضرمة قمر كيلاني، التي تتغني في أدبها وزواياها الصحفية بدمشق تري أن: (دمشق مدينة تستحق أن يكتب عنها باستمرار لأنها صاحبة تراث متراكم علي مدار قرون طـــــــويلة… تراث امتزجت فيه الحضارات والأعراق وتنوعت الاسهامات… فدمشق عبر التاريخ هي معبر تجاري ومنطــقة أمان وازدهار… والتجار عندما كانوا يأتون اليها، يجلسون فيها فترة طويلة فتسحرهم طبيعتها وحيوية أسواقها وسحر أجوائها فيقررون البقاء فيها… وبعد فترة يسمون باسم المنطقة التي جاؤوا منها فتجد البغدادي والمغربي والمصري… وكلهم يصبحـــــون جزءا من المدينة ويعبرون عن الولاء لها والتعلق بتاريخها). وتضيف الأديبة قمر كيلاني: (الكتابة عن دمشق… والاقبال علي اقتناء الكتب التي تصدر عنها باستمرار… هي نوع من التعويض. فالدمشقـــــــيون يشعرون كل فترة أن المدينة تستلب منهم بشكل أو بآخر… أحيانا التغييرات الهجينة وتهديد التراث القديم يكون نوعا من هذا الاستلاب… ومحاولة تغيير معالمها أو خريطتها الروحية كذلك… لذا تأتي هذه الكتب كنوع من التشبث بهذا التراث العزيز علي نفوسهم… ونوع من استعادة المدينة كما كانت).
نصر الدين البحرة: موجة التغيير والفرنجة!
الأديب نصر الدين البحرة الذي حاول أن يستجلي مفاتن دمشق وأسرارها في كتابه المشوق (دمشق الأسرار)، والذي عاد رغم صدور كتابه منذ سنوات، ليكتب عن دمشق ومنتزهاتها وغوطتها في زاويته الأسبوعية في جريدة (تشرين) هذه الأيام، يتفق مع ما قالته الأديبة قمر كيلاني… الا أنه يضع الظاهرة في اطار أشمل، فيرجعها: (الي الاهتمام الملحوظ حتي علي المستوي الدولي بالعودة الي تراث الانسانية… أضف الي ذلك اهتمام بعض الكتاب الدمشقيين باعطاء مدينتهم ما تستحقه من رعاية واهتمام)
ويشير نصر الدين البحرة الي أنه: (لقد كانت هناك مدن أقدم من دمشق، مثل مدينة أوروك التي عاصرت بطل الأسطورة جلجامش، لكنها بادت… أما دمشق فباقية. وهي تحتفظ في آثارها بأوابد ترجع الي الحقبة الكنعانية وهي التي تعود الي الألف الثالث قبل الميلاد… ونلاحظ ذلك في المداميك السفلي من سور دمشق، وبعض المداميك في أسفل الجدران في حي الكلاسة قرب الجامع الأموي).
ويؤكد نصر الدين البحرة أخيراً أن الاهتمام باصدار كتب عن دمشق، والتأريخ للمدينة باستمرار تنامي في السنوات الأخيرة، بسبب: (هذه الموجة القاسية من التغيير والفرنجة، نتيجة موجة العولمة الهوجاء، وما ترمي اليه من بتر الجذور، وقطع الصلات مع الماضي أياً كان هذا الماضي!)
عامر بدر حسون: سحر العيش في الماضي!
الكاتب والصحافي العراقي عامر بدر حسون، المقيم في دمشق منذ أكثر من ربع قرن… والمعني بتراثها، اذ أصدر كتاباً تذكاريا ثمينا، نشر فيه صورا من حياة دمشق في مطلع القرن الماضي الي جانب المدن الأخري بعنوان (كتاب سورية) كما أعاد تكوين جزء من ذاكرة صحافة المدينة في مجلته (الأيام) ثم ملحقها (أيام الشام)، يري في رده علي سؤالنا أن: (التاريخ في دمشق ليس قصة تروي، بل حياة يعيشها الناس… فدمشق أقدم مدينة مأهولة… والاهتمام بتاريخها الشفوي من عادات وتقاليد وتراث له معطياته… فحجارة دمشق… التاريخ المعاش في الأزقة والحواري… كل هذا يولد في النفس احساساً عميقا بقيمة هذا التراث وقربه من ذاكرتك ووجدانك).
لكن بعيداً عن هذا المظهر العاطفي لتلك الظاهرة، يري عامر بدر حسون أن هناك مبررات موضوعية وسياسية تدفع بهذا الاتجاه: (بالنسبة للمواطن العربي: الحاضر قلق، المستقبل غامض… أما الماضي فهو منجز. لذلك العيش في الماضي ممتع… وأنا لعبت هذه اللعبة من خلال مجلة (الأيام) التي كانت تنشر قديم الصحافة العربية، ومن خلال كتاب (سورية) لكن رغم ذلك فان بعض الأنظمة التي لم تشارك في صنع هذا الماضي، قد لا تسمح باستعادة صورته المشرقة كثيراً، وتريد أن تطويه اذا تجاوز الأمر مسألة الحنين والاستذكار).
وأسأل عامر بدر حسون أخيراً، عن سر شغف الأدباء الدمشقيين بالتأريخ للمدينة أيضا، وكتابة أعمالهم الأدبية في أجوائها وبوحي منها أحيانا فيجيب: (دمشق ليست قرية صغيرة، ولا مدينة مفتعلة… انها مدينة عريقة والانتساب اليها ينطوي علي شيء من الفخر… والكتاب والأدباء عندما يكتبون عن المدينة، يكتبون عن طفولتهم وشبابهم في هذه المدينة… فيظهر كل شيء جميلا ومثيرا للاهتمام… وصدقني لو أنني امتلك رصيدا من الطفولة في دمشق لكتبت عنها وأنا مطمئن).
عزاء اقتفاء الأثر!
ومهما تعددت وتباينت الآراء وراء تفسير ظاهرة هذا التاريخ الذي لا تنتهي كتابته عن دمشق، وذلك الكتاب الذي لا يجف حبره وهو يروي عنها… ومهما قيل عن الحنين للماضي والتعلق به، فان في الكثير مما كتب ويكتب، دفاعا عن الذاكرة… الذاكرة التي تتعرض للتشويه، والتراث الذي يتعرض للإلغاء… تدوسه عجلات زمن لا يحمل مشروعاً تحديثياً، بقدر ما يفرض واقعاً هجيناً وعشوائياً في معناه ومبناه…. فيأتي على أجمل ما في الماضي… من أجل حاضر بلا ملامح ومستقبل بلا انجاز، ولعل دمشق التي تحيا علي صفحات الكتب التي تصدر عنها باستمرار، وفي عدسات المصورين الذين ادخروا كنوزا لها منذ السنوات الأولى لاختراع التصوير الضوئي، أو في خيالات ماض عامر بالبهجة… خير من دمشق بلا أثر يُقتفي، كما يرى مؤلفو وقراء هذه الكتب علي حد سواء!
عن صحيفة (القدس العربي) 17/12/2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دمشق في العين | السمات:دمشق في العين
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























