ملف- ميشيل كيلو بعد 22 شهرا على اعتقاله: أنا المواطن والإنسان الحرّ ميشيل بن حنا كيلو وغالية عوض!

كتبهاnehad alshami ، في 1 آذار 2008 الساعة: 10:18 ص

بعد 22 شهرا… مازال المفكر والكاتب السوري الحار والجرئ ميشيل كيلو نزيل سجن عدرا. حبيسا… في زمن عزت نسائم الحرية فيه… واختنق صوت الحق في الحناجر… واختلت موازين العدل في أروقة المحاكم التي صارت أشبه بكواليس مسرح كوميدي تجاري مبتذل!  لكن ميشيل كيلو برغم كل هذا… حاضر في وجدان السوريين… على الأقل في وجدان من عرفوه ولمسوا صدقه، وتفاعلوا مع أفكاره البسيطة والواضحة والجرئية والوطنية قبل هذا كله.

هنا ملف نشرته جريدة (الأخبار) اللبنانية حول ميشيل كيلو المواطن الحر في سجنه… وكفى

(سوري يانيالي)

* * *

أنا المواطن والإنسان الحرّ ميشيل بن حنا كيلو وغالية عوض

بقلم: ميشيل كيلو

مقطع من مرافعة ميشيل أمام محكمة الجنايات دفاعاً عن نفسه في 7 أيّار (مايو) ٢٠٠٧

(…) سادتي القضاة، سيدتي قاضية النيابة (…)

لست المدعو ميشيل كيلو، نصير «14 شباط»، (حسب المذكرة الأمنية بحقّه) أنا الإنسان والمواطن الحر ميشيل بن حنا كيلو وغالية عوض الذي ليس نصير أية جماعة في لبنان أو سوريا، وليس نصير أي حزب قائد أو منقاد وأية ثورة، سواء أكلت وطنها أم أكلت ناسها، لأنني نصير وطني الصغير سوريا ووطني العربي الكبير، ونصير كل مواطن فيهما، نصير الحرية والديموقراطية (…)

أنا الإنسان والمواطن الحر ميشيل كيلو، الذي يعبر، حباً بسوريا وبالعرب، عن إصراره على خط المصالحة الوطنية والتوافق في بلده (…) لأن المصالحة والتوافق ضروريان لحماية الوطن والشعب والأمة في الداخل والخارج، من القمع والفساد الداخلي ومن الاحتلال الخارجي. كما أُعلن تمسّكي بسياسة «اليد الممدودة والعقل المفتوح» تجاه النظام التي كنت من أوائل مَن قالوا بها. وإذا كنت أكرر اليوم هذا، فليس خوفاً من السجن أو القمع (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)، بل لإيماني الراسخ بأن المرحلة تضمر أخطاراً جسيمة إلى درجة يعجز النظام والمعارضة عن التصدي لها كلٌّ بمفرده، تحتم الوطنية مواجهتها بجهود مشتركة متوافق عليها ومعلنة وتحظى بدعم الشعب والمواطنين، وإلا ضاعت البلاد (…) وطننا مهدد بأخطار داهمة، داخلية وخارجية، بل قد يكون هدفاً لضربات عسكرية معادية لا ترحم، قد توجّه إليه في أي وقت (…)

أنا مجرد مثقف يجبره الانهيار العربي العام على الاهتمام بالشأن العام. ولست سياسياً بأي معنى من معاني الكلمة، بل مواطن يهتم بالشأن العام لأسباب روحية وضميرية تقلقني. كما تقلق النخب المثقفة العربية في كل مكان، ترجع إلى انهيار ما كنت أؤمن به وأعمل لأجله، مع جيلي كله، من أحزاب وأيديولوجيات وزعامات، وإلى كون «الثورة العربية» أو ما عرف بذلك، أعادت إنتاج الوضع الذي تمردت عليه ووعدت بتغييره إلى الأحسن، لكن في طبعة أسوأ بكثير من تلك التي كانت ترفضها (…)

إنني لا أسعى إلى أية مصلحة خاصة، لو كنت أسعى إلى مصالحي لتعاونت مع النظام وصرت مليونيراً أو مسؤولاً ككثير من المنافقين والتافهين، لكنني لست والله منافقاً أو تافهاً، لذلك أعلن عزوفي اليوم، وفي أي زمن آخر، عن أخذ أي موقع في أي مكان من السلطة أو الدولة، وتمسكي بأن يكون لي دور أكيد في إصلاح أوضاع بلدي ومؤسساته وسياساته بصورة سلمية

وعقلانية (…)

هذا الدور الذي يمليه عليَّ حبي لأمتي ووطني، وواجبي تجاههما سيتواصل بإذن الله، فهو واجب لا أعتذر عدم عن القيام به، ولا أطلب المغفرة أو العفو من أحد بسبب تأديته، وهو سيستمر بإذن الواحد الأحد، حتى في السجن، إلا إذا أقنعني أحد ما، أو أقنعت نفسي، أنا الذي يرى عمله بعين النقد القلقة، ولا يراه بعين الكمال المطمئنة، أنه خطأ، وهو أمر مستبعد، كما أعتقد.

  ميشيل كيلو نزيل سجن عدرا: المعادلة الصعبة

بقلم: محمد علي العبدالله

إنّه المثقف الملتزم الساعي إلى الديموقراطيّة، والكاتب النقدي، الحريص على خط المصالحة الوطنية والتوافق في بلده، لحماية الأمّة من الكاوبوي الأميركي الذي لا يحمل إلى المنطقة ديموقراطيّة بل خراباً واستعماراً جديداً. تحيّة له ولرفاقه في السجن، من جريدة جوزف سماحة الذي كتب في افتتاحيّة «الأخبار» (٣١ /١١/ ٢٠٠٦): «ميشيل كيلو حراً يعني سوريا أكثر قوة وعافية»

«حطولكم الـ كيلو بالجناح 7» هي العبارة التي خاطبنا بها أحد السجناء العاملين في سجن عدرا، يومها استٌجوبَ ميشيل كيلو أمام قاضي التحقيق الأول في دمشق، وأُصدرت مذكرة توقيف وجاهية بحقه في أيّار (مايو) ٢٠٠٦، وأودع سجن دمشق المركزي (سجن عدرا).

خرجتُ من جناحي إلى الجناح 7 ودفعت للحرس 25 ليرة سورية «ضريبة مغادرة» من جناحي، و25 مماثلة ضريبةً لدخول الجناح 7. (الجناح رقم 7 مخصص لسجناء الجرائم اللأخلاقية وقد قضى فيه كيلو قرابة 15 شهراً).

بحثت عن الأستاذ ميشيل في الجناح 7، توجهت إلى باحات الجناح، بحثت في الباحة الأولى فلم أجده. وفي الثانية، لم أجده أيضاً. عندئذ، توجهت إلى باحة غسيل الملابس، فرأيت شخصاً ضخماً يدير ظهره. كان يرتدي بدلة زيتية اللون، شابكاً يديه خلف ظهره، يتمشى بخطوات بطيئة. اقتربت منه أكثر، ولما صرت خلفه تماماً صرخت بصوت عالٍ وقبل أن أتأكد من هويته: «نوّرت عدرا». التفت إليّ. لم أكن مخطئاً، إنه ميشيل كيلو! مددتُ يدي لأصافحه، فسحبني إليه بقوة، واحتضنني وقبلني ـــــ من دون مبالغة ـــــ أكثر من عشر قبلات….

«هون كنتوا إنتا وأبوك كل هالمدة» (اعتقلنا في سريّة تامة ٥٥ يوماً) ؟ انشغل بالنا عليكم كثير».

ـــــ بعرف…أجبته بسعادة! سمعت أنك كتبت مقالاً عن اختفائنا! شكراً.

ـــــ بس وين كنتوا؟؟ أعاد السؤال.

ـــــ كنا بسجن صيدنايا العسكري، ونقلنا إلى سجن عدرا قبل اعتقالك بيوم، لذا لم يتسنّ لك أن تعرف.

ـــــ أبو حسين كيفه؟؟ (أبو حسين والدي).

ـــــ منيح وبيسلم عليك.

ـــــ طيب روح هلق (هلق بالقاف بلهجة أهل اللاذقية الجميلة)، من شوي واحد حكا معي إجوا الشرطة ضربوه.

كانت تلك وقائع الحوار الأول لكيلو في سجن عدرا. صرفني قلقاً علي، بعدما رتبت موعداً بينه وبين والدي صباح اليوم التالي على شباك الباحة الأخيرة.

لم أكن أعرف أن رياض الترك محامٍ قط. عرفته سجيناً ومعارضاً سياسياً شرساً لا غير. خلال محاكمة ميشيل كيلو. حمل “ابن العم” كما يلقّب، حقيبته، ودخل غرفة قاضي التحقيق الأول. حضر استجواب كيلو ومحمود عيسى. رياض الترك يرافع عن ميشيل كيلو.

فوجئت عندما علمت متأخراً أن “ابن العم” محامٍ، لكن لم أُفاجأ حقيقةً لكونه يترافع عن الأستاذ ميشيل كيلو. خصوصية العلاقة التي تربط كيلو والترك نادرة وفريدة. لدى إطلاق سراح رياض الترك عام 2002، بعدما قضى قرابة عام في زنزانة منفردة في سجن عدرا، فجأةً، فتح رجل أنيق باب الزنزانة عليه وقال: «معي أوامر من سيادة الرئيس أن تكون خارج السجن خلال نصف ساعة».

رد الترك: طيب سأرتب أغراضي.

ــــــ اترك أغراضك، ستأخذها لاحقاً.

ضابط من القصر الجمهوري، أقل الترك بسيارته إلى خارج سجن عدرا. خرج به من طريق عدرا الصحراوي. لوهلة خال أنّ الساعة حانت و«صدق المرسلون»، وأنه ذاهب إلى حتفه. سأله الضابط أين يريد أن ينزل، فأجاب: القصاع.

أنزله الضابط هناك، ذهب “ابن العم” مباشرة إلى منزل ميشيل كيلو. وقرع الجرس ليفتح كيلو الباب، ويجد هذا الزائر غير المتوقّع. وكان قد صودف اجتماع للجان إحياء المجتمع المدني في منزل كيلو فحضره الترك. لا يعرف ابن العم السبب الحقيقي الذي دفعه إلى اختيار منزل كيلو كأول محطة بعد الخروج، لكن كيلو كان الشخص الأول الذي خطر في باله على الأرجح.

في زيارة مشتركة قام بها فريق الدفاع عن المعتقلين إلى سجن عدرا، اجتمعنا معاً للمرة الأولى، 14معتقلاً وتسعة محامين، وجميع ضباط سجن عدرا. كان فريق الدفاع يحمل «مبادرة إنقاذية»، وهو بيان يدين فيه المعتقلون قرار مجلس الأمن رقم 1680 فيُطلق سراحهم فوراً (كدليل على وطنيتنا).

لم يخبرنا فريق الدفاع بالمبادرة بشكل مباشر، بل راح يلقي بعض الكلمات هنا وهناك، على الأرجح أنهم لم يجرؤوا على ذلك، وخصوصاً بعد مقابلة المعتقلين، وملاحظة «السقف العالي» لخطابهم المعارض. يومها، كان الحديث ضد السلطة علناً، أمام ضباط السجن مباشرة، وتحت مراقبة الكاميرات الموجودة في قاعة المحامين.

لم يدهشني هذا الموقف من المعارضين المعتقلين قطّ، فهو موقف متوقع من أشخاص وقفوا في وجه السلطة مع إدراكهم المسبّق لعواقب هذا العمل.. لكن بهرني كلام الأستاذ ميشيل الموجّه إلى أحد المحامين: «روح خبرهم أن يجدوا وسيلة للخروج من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه باعتقالنا، فيحفظوا ما بقي من ماء وجههم. نحن قاعدين هون وما عنا مشكلة، وأوعى ترجع جايب لي مبادرات. تذكّر دائماً أننا نحن في موقع القوة وهم في موقع الضعف، وكلمة ثانية أنا ما بطلع من هون إلا باعتذار رسمي من السلطات».

إنّها رسالة ميشيل كيلو لا تزال راهنة اليوم بعد ٢٢ شهراً على اعتقاله. إن سلطة تزج نخبتها المثقفة في السجن لا شك في أنّها تواجه مأزقاً ما… الخروج الوحيد منه هو بأن يستعيد هؤلاء حريّة الحركة والكلمة في بلادهم. سوريا من دونهم تشكو من وهن أكيد، بهم ومعهم تستعيد قوّتها، وتضمن استقرارها الداخلي، في مواجهة أعداء الأمّة وفي الدفاع عن قضايا العرب العادلة. هذه هي المعادلة الصعبة!

* كاتب وناشط حقوقي سوري

….في مقالة بعنوان «قصة اعتقالي واتهامي» كتبها في السجن، يقول كيلو: «ليس فقط إعلان بيروت ــــ دمشق سبب اعتقالي. هذه قناعتي. وإذا كان هناك مَن يريد الانتقام مني؛ فأتفهم موقفه وإن لم أقبله، مع رجاء أوجّهه إليه هو أن يمتنع عن وضعه تحت حيثية القانون والقضاء، كي لا يقوّض القليل مما بقي لهما من مكانة». وحول وجود معارضين في سوريا لا معارضة، ردّ: «ثمة معارضة في سوريا. وهي أول معارضة عربية رفعت مطلب التغيير الديموقراطي (1974)، وكونت تجمعاً وطنياً ديموقراطياً، وربطت السياسي بالثقافي ورفضت مغادرة بلادها إلى المهاجر، وخاضت معركة ضد نظام كانت تعلم أنه أقوى منها».

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوقائع الغريبة في «تخوين» أبو أيهم

 

بقلم: نجاتي طيارة

مَن تابع أحداث إعلان دمشق ـــــ بيروت وأزمته، لاحظ دور الكاتب والمفكر ميشيل كيلو فيها، وهي أحداث غرائبية انتهت بزج مجموعة من المثقفين والناشطين السوريين في السجن، كان ميشيل أبرزهم، كما تبعها تسريح عدد من الموقّعين السوريين من وظائفهم في الدولة.

في الحقيقة، لعب ميشيل دوراً بارزاً في تلك الأحداث، إن لم يكن الدور الأبرز. ليس فقط لأنّه الأكثر ديناميكية بين الكتّاب والناشطين السوريين، بل أيضاً نظراً إلى كفاءات الرجل وثقافته اللتين كانتا تؤهلانه لمثل ذلك الدور.

لكن ما ليس معروفاً أو شائعاً عن ذلك الدور، قد اطلعت عليه، بحكم طبيعة مشاركتي في الإعلان، وكان اسمي ظهر مصادفة كأول الموقعين السوريين عليه، على رغم أنّ الترتيب الأبجدي أو غيره لا يجيز لي ادعاء تلك الأولوية. ذلك أن دور ميشيل لم يتوقف عند الدعوة إليه والحوار بشأنه مع مجموعة من المثقفين والناشطين السوريين واللبنانيين، انطلاقاً من الرغبة بوقف تدهور العلاقات اللبنانية ـــــ السورية (…) وصولاً «إلى العمل المشترك من أجل التصحيح الجذري للعلاقات بين البلدين والشعبين وفقاً لرؤية وطنية مستقبلية مشتركة»، بل ترافق ذلك الدور، كما شهدت، مع رؤية سياسية عقلانية، دفعت بميشيل إلى مدّ أجل الحوار شهوراً بشأن نص الإعلان! كما دفعته أكثر من مرة إلى الحديث عن التمهل في إصداره بعد ملاحظة توتر بعض المسؤولين وانزعاجهم من أفكاره التي كانت بدأت بالتسرب.

هنا، أذكر أنّ الرجل لم يكن متعجلاً، ولم يكن في هذه المسألة كما في غيرها، من ذوي الرؤوس الحامية، لكنّه أيضاً لم يكن مستعداً للتخلي عن دوره المفترض كمثقف لا يستطيع الوقوف متفرجاً على قضايا بلده.

وفي كل ذلك، لم يكن يخطر في بال أحد أنّ الرد على إعلان بيروت ـــــ دمشق سيكون بتهمة من عيار «دعوة بلد عدو إلى احتلال سوريا»، فهي تهمة غريبة بل عجائبية، لا يفهم كيف أمكن نسبها للإعلان وموقعيه. في حين أن مناقشتها لا تصمد أمام أي تحليل سياسي أو حقوقي، وخصوصاً بعدما نصّ البند الأول من مكوّنات الرؤية التي دعا إليها بصورة واضحة ومحددة على: احترام سيادة كل من سوريا ولبنان واستقلالهما وتمتينهما في إطار علاقات ممأسسة وشفافة تخدم مصالح الشعبين وتعزز مواجهتهما المشتركة للعدوانية الإسرائيلية ومحاولات الهيمنة الأميركية.

أما التهمة الأكثر غرابة من بين التهم التي وُجهت إلى ميشيل وحكم عليه بالسجن وفقها، فكانت تهمة إثارة النعرات العرقية والطائفية، وقد استند الاتهام فيها إلى مقال له رافق نشره (القدس العربي 16 أيار/ مايو 2006) صدور الإعلان نفسه، حمل عنوان «نعوات طائفية». وهو مقال عبّر عن ملاحظة مفكر لمّاح، راعه ما قرأه من عبارات ومعان حملتها أوراق النعي المنشورة على جدران مدينته، ورأى فيها تجلّيات منذرة لظاهرة اجتماعية مستفحلة، تعكس وقائع التمايز بين المدينة والريف في علاقتهما مع أجهزة السلطة، وعلى رأسها جهازا الجيش والأمن، و«تلقي الضوء على حقائق التوزيع الطبقي والسياسي» في اللاذقية كمدينة «طالما تعايش فيها بسلام وتفاعل أبناء الأديان والمذاهب والطوائف المختلفة».

وإذ وصف تلك الحقائق بالواقع المقيت الذي لا تدركه الادعاءات الرسمية، فقد رأى «بصيص الضوء في تلك العتمة»، منعقداً في السنوات الأخيرة على النشاطات الاجتماعية التي ينتسب أبناء المدينة إليها طوعياً «من مختلف المهن ومن جميع الاتجاهات السياسية والأديان»، «على أرضية المواطنة». وذلك جلّ ما تضمنه المقال الذي كان يستحق تهنئة الكاتب على حرصه الوطني.

واليوم، يقبع ميشيل في سجنه، وهو المثقف السوري الأكثر نشاطاً في الدفاع عن القضايا الوطنية والقومية والديموقراطية لبلاده. وهو الذي وجّه رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأميركي بوش (النهار 3 تشرين الأول/ أكتوبر،2001 ) بعنوان «بلدكم سيخسر الحرب» قال له فيها: «أنا مواطن عربي تقول شهادة ميلاده إنّه مسيحي، قاوم طوال السنين الأربعين المنصرمة سياسات بلادك. وأنا فخور بأنني ابن الدين الإسلامي والحضارة التي أنجبتنا، وابن اللغة العربية والثقافة العربية/ الإسلامية الفريدة التي تجعلني مواطناً عربياً ملء نفسه الإسلام وقيمه والتاريخ الذي صنعه مع المسيحية وقام على التسامح الديني».

بعد كل هذا، ماذا لو كان السجن الذي يقبع فيه ميشيل كيلو وزملاؤه واقعاً أغرب من الخيال؟ ألا يبدو إطلاق سراحهم اليوم قبل الغد، وإنهاء هذه الغرائبية مقدمة ضرورية لوقائع سورية أكثر معقولية؟

* ناشط في مجال حقوق الإنسان / سوريا

أبعد من السياسة !

بقلم: فايز سارة

غالباً ما يشار إلى ميشيل كيلو باعتباره شخصيةً سياسيةً. وقد تعزّزت هذه الإشارات بعد دخول ميشيل بوابة الاعتقال والسجن بسبب آرائه. وهي آراء سياسيّة لها أبعاد محلية وخارجية، تشكّل بعضاً من الرؤيا الإجمالية للرجل في نظرته إلى الحياة والعالم من حوله.

ولعل الأهم في رأيه السياسي ــــ على المستوى الداخلي ــــ ذهابه حدّ المطالبة بالإصلاح والديموقراطية ومكافحة الفساد، وباتجاه خلق مستقبل أفضل لأبناء سوريا بعد كل ما عانوه، وقد ألقى بظلاله على حياتهم وحكم طموحاتهم منذ 45 عاماً.

وعلى رغم أهمية البعد المحلي في رأي مشيل كيلو الذي أدّى إلى اعتقاله وسجنه، فإن البعد الخارجي في رأي الرجل كان السبب الأكثر صلة باعتقاله، وخصوصاً سجنه الأخير الذي جاء على ضوء ما اتُّهم به من دور في إعلان بيروت ــــــ دمشق، دمشق ـــــ بيروت الذي رسم ملامح أخرى لعلاقات سورية ـــــ لبنانية على المستويين الرسمي والشعبي: علاقات تقوم على الندية والتفاهم والمصالح المشتركة بين البلدين والشعبين. علاقات تأخذ في الاعتبار العوامل التاريخية والحضارية التي ربطت البلدين والشعبين من الماضي إلى المستقبل. وهو إعلان فاز بتوقيع مئات المثقفين السوريين واللبنانيين من مختلف الفئات والاتجاهات التي تعكس تلوينات المجتمعين. لكنّ هذا الإعلان كان سبباً لاعتقال كيلو وعدد من المثقفين السوريين وإحالتهم على المحاكمة. فصدرت بحقهم أحكامٌ سياسية غير قانونية، كان نصيب كيلو منها السجن لمدة ثلاث سنوات، وقد تجاوز منها عاماً ونصف عام.

بعيداً عن الشخصية السياسية التي اشتهر بها كيلو، فقد تميز الرجل بشخصيته الاجتماعية. والكلام في هذا الجانب يتجاوز علاقة الرجل بمحيطه القريب، بالزوجة والأولاد وهم شابّان وشابة وأحفاد. كما يتجاوز علاقته بالأب والأم والإخوة ليشمل الأموات، على نحو ما يتناول ميشيل سيرة والده الراحل وقد ترك أثراً واضحاً في حياة ميشيل وخياره في تبني ميوله نحو العدالة الاجتماعية والعمل من أجل مصالح الفقراء.

وارتبط «أبو أيهم» بعلاقة مميزة بوالدته التي منحت زوجها وأبناءها وأحفادها كل ما استطاعت من قدرة وصولاً إلى الرمق الأخير، وقد خلّف رحيلها وميشيل في الاعتقال حرقة في قلب الرجل الذي أمل المشاركة بوداعها ولو للحظة، ليتابع بعدها سجنه بهدوء رغم ما في ذلك السجن من ظلم مكشوف.

في علاقات ميشيل بمحيطه الاجتماعي كثير مما هو مميز وخاص، ولا حدود لرغبته في التعرف إلى الناس بغضّ النظر عن تفاصليهم وخلفياتهم. وهذا خلق له معارف بأطياف واسعة ومتعددة، يندر أن يستطيع مثقف الانخراط فيها والحفاظ عليها بحكم امتدادها وتنوعها وانتشارها في كل مكان اتصل به مباشرة، أو بشكل غير مباشر. خليط من الناس العاديين إلى أصحاب المهن والحرف، وصولاً إلى فئات من النخبة من المثقفين والكتّاب والفنانين ورجال السياسة والاقتصاد، حشد هائل من أناس، كان ميشيل كيلو يجد خيطاً يربطه بقوة بكل واحد من هؤلاء من دون كلل أو ملل، ما كان يعكس نموذجاً استثنائياً من الشخصية الاجتماعية.

في عمق التركيبة الاجتماعية لميشيل كيلو، وحياته الغنيّة وتربيته وعلاقاته بالمحيط، وتعليمه وسفره، وثقافته الموسوعية، تكمن جذور تجربته السياسية والفكرية الثرية والمتعددة الآفاق. هذا هو سرّ استعداد الرجل الدائم، لتحمل المسؤولية (وقدرته عليها) حتى في أصعب الظروف والتحديات.

وسط تلك المكونات، تبدو شخصية ميشيل كيلو الاجتماعية حالة مميزة، لكن طغيان السياسة على شخصية الرجل دفع الجانب الاجتماعي إلى الخلف. إلا أنّ ما جرى من أشكال تضامن محلي وعربي ودولي مع كيلو، إنما يعكس موقفاً واضحاً من شخصيته وعلاقاته الاجتماعية بقدر ما يعكس الموقف من شخصيته السياسية وعلاقاته بالسياسة.

* كاتب سوري (معتقل حالياً).

ميشيل كما عرفته

 بقلم: رياض سيف

كان أول لقاء مباشر جَمَعني بميشيل كيلو قبل أسابيع من وفاة الرئيس حافظ الأسد، مع مجموعة من المثقفين للتأسيس لنشر ثقافة المجتمع المدني كمدخل للانتقال إلى نظام ديموقراطي. وقد كان حضور ميشيل متميزاً، وكانت الروحية التي سادت الحوار هي استخدام أنجع السبل السلمية والعلنية لتحقيق الهدف، بعيداً عن العقل الثوري الانقلابي.

استمرت اللقاءات الأسبوعية لأكثر من ثلاثة أشهر، عقدنا العزم فيها على تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني في سوريا. إلا أن الرفض القاطع لفكرة الإصلاح وحرية العمل السياسي دفعنا إلى البحث عن أشكال بديلة. وعند مناقشة فكرة إقامة منتدى للحوار في منزلي، تقدم فيه المحاضرات بشكل دوري من بعض المفكرين والسياسيين والحقوقيين، يتبعها حوار حر ومفتوح، لاقت الفكرة ترحاباً شديداً لدى الجميع على أن تدير نشاطات المنتدى لجنة منتخبة تضع البرامج وتحدد المواضيع وتختار المحاضرين.

ولمحدودية معرفتي بأكثرية المشاركين، طلبت الاحتفاظ لنفسي بحق الفيتو على قرارات اللجنة، نظراً إلى تحملي كامل المسؤولية عن لقاءات سياسية تُعقد في منزلي، في ظل سريان حالة الطوارئ وغياب الحريات السياسية.

رفض ميشيل فكرة إعطاء حق الفيتو لأحد، حرصاً على العمل الجماعي، وخوفاً من وضع سقف لنشاط المنتدى. وخرجنا من الاجتماع من دون اتفاق. وعندما افتتحت المنتدى بمبادرة شخصية، فاجأني تعاون ميشيل ودعمه اللامحدود، ومساهمته الفاعلة في التحضير لعمل المنتدى وتوسّطه لدى الأستاذ أنطوان مقدسي ليقدم المحاضرة الأولى في سلسلة محاضرات المجتمع المدني.

وقد كان ميشيل من أوائل الحاضرين ومن أكثرهم إسهاماً في إغناء الحوار، ما ساعد الآخرين على التخلّص من عقدة الخوف والمشاركة بكل جرأة في الحوار، وطرح أفكارهم ومواقفهم. وبعد حوار دام ساعات، أجرى ميشيل مقابلة مميزة مع قناة «الجزيرة» التي كانت تغطي المحاضرة، حول ثقافة الحوار الوطني، ما أسهم في تسليط الضوء على تلك التجربة الفريدة في وقتها، وأعطاها زخماً محلياً وعالمياً، وجعل منها خطوة هامة في إطلاق ما سمي وقتها «ربيع دمشق». وقد استمرت إسهامات ميشيل النشطة في إغناء المنتدى حتى يوم إغلاقه.

خلال وجودي في السجن، علمت أنّ ميشيل وبعض قوى المعارضة الأخرى، تمكّنوا من إنجاز صيغة لجمع قوى المعارضة الديموقراطية، على اختلاف توجهاتها، في عمل مشترك، تُوِّج بصدور وثيقة إعلان دمشق الذي كان لي الشرف أن أكون أحد الموقعين الأوائل عليه. وبعد خروجي من السجن ولقائي ميشيل في نشاطات إعلان دمشق، كان لافتاً عمق إيمانه بهذا المشروع الوطني، وما كان يبذله من جهود متميزة في سبيل إنجاحه إلى أن اعتُقل في أيار (مايو) 2006.

كان ميشيل من أكثر المتحمسين لتقديم الدعم والمشورة والتشجيع، في كل ما قمت به من نشاط في الحقل السياسي. وعندما تلوح صورة ميشيل في ذاكرتي، تكون مقرونة بمدى ما لمسته من إيمانه العميق بواجب العمل من أجل الحرية والديموقراطية، كهدف حيوي للشعب السوري، مقدماً الكثير من التضحيات بعيداً عن المصالح الشخصية.

إن ميشيل أحد أهم رموز المعارضة، لما يتمتع به من إمكانات فكرية ومعرفة سياسية، وطاقاتها الفاعلة… وإنّ تغييبه عن العمل السياسي بسجنه لمدة ثلاث سنوات، بهدف إضعاف المعارضة، خير دليل على ذلك. إلا أنّه استطاع بصموده ومعنوياته العالية، رغم ما يعانيه من مشاكل صحية، إعطاء المعارضة المثال والقدوة الحسنة، وشحذ عزمها وتصميمها على تحقيق التغيير .

* نائب سوري سابق،

رئيس مكتب الأمانة العامة في إعلان دمشق-معتقل حالياً

ميشيل كيلو: سيرة

ميشيل كيلو كاتب وناشط سياسي، عضو اتحاد الصحافيين السوريين. ولد في اللاذقية عام 1940 من أسرة فقيرة. عمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ثم درس الصحافة في ألمانيا الغربية على نفقة الدولة. قبل اعتقاله عام 2006، شغل منصب رئيس مركز «حريات» للدفاع عن حرية الرأي والتعبير في سوريا، وكان ناشطاً في لجان إحياء المجتمع المدني.

اعتقل في السبعينيات لمدّة عامين، سافر على أثرهما إلى فرنسا، ولم يعد إلا في نهاية الثمانينيات. لكنّه لم يستأنف نشاطه السياسي بوضوح حتى حلول ربيع دمشق.

اعتُقل في 14/5/2006 بتهمة «إضعاف الشعور القومي والنيل من هيبة الدولة وإثارة النعرات المذهبية». لكنّ الاعتقال جاء في الواقع بعد توقيعه إعلان بيروت ـــــــ دمشق في أيار (مايو) 2006.

أحيل كيلو على القضاء العادي. وفي أيار (مايو) 2007، أصدرت محكمة الجنايات الثانية في دمشق حكماً عليه بالسجن ثلاثة أعوام بعد إدانته بـ «نشر أخبار كاذبة وإضعاف الشعور القومي والتحريض على التفرقة الطائفية». ثم أحيل على المحكمة العسكرية بتهمة جديدة هي «تسويق إعلان دمشق ــــــ بيروت داخل السجن وحض السجناء على التوقيع عليه».

في مقابلة معه قبل اعتقاله، شرح كيلو الأسباب التي دفعته إلى اليسار: «عرفتُ الاشتراكية في البيت، ثم في اللاذقية، حيث كنت أسكن حي السجن، المعروف بميول مسيحييه اليسارية والشيوعية. انتسبت إلى الحزب الشيوعي السوري عام 1955، لكني تركته بعد ستة أعوام احتجاجاً على موقف الحزب من الوحدة عام 1958، وبتأثير أستــــاذي ومعلمي الياس مرقص الذي كان أكبر ناصري عرفه الوطن العربي، وأقنعني بأن الثورة القومية هي طريق التقدم العربي والاشتراكية».

عن صحيفة (الأخبار) اللبنانية 28/2/2008

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أعلام الحرية, ملفات خاصة | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “ملف- ميشيل كيلو بعد 22 شهرا على اعتقاله: أنا المواطن والإنسان الحرّ ميشيل بن حنا كيلو وغالية عوض!”

  1. الواضح أنو البقاء في مكانك أفضل الك وللمجتمع السوري

  2. حسين نعسان قال:

    الله يحيي البطن اللي حملك يا أستاذ ميشيل… صحيح اللي ما بيعرفك بيجهلك… انا كنت بعرفك بالاسم… وشوف لقاءاتك بالجزيرة والعربية قبل ما يعتقلوك ولاد الكلب… بس هلق عرفتك أكثر. والله يكثر من أمثالك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



سوري... يا نيالي  هم الدنيا كلو ببالي...  َطَفر وضَجر وضهري انكسر... والدولة ما بترثي لحالي !!