مسلسل (الدوامة): التنكيل بتاريخ سورية في الخمسينيات بأسماء وهمية!

تشرين الأول 18th, 2009 كتبها nehad alshami نشر في , سورية قبل حكم البعث

بقلم: محمد منصور

رغم أن عرض ذلك الكم الكبير من المسلسلات في وقت واحد أمر مضر بالذائقة والأعصاب والصحة وبتلك المسلسلات نفسها كما نردد منذ سنوات عديدة؛ إلا أن هذه الطريقة من العرض لا تخلو من فائدة لبعض الأعمال أحياناً… فبعض المسلسلات التي تبدو ذات مظهر براق ومحترم من الخارج، والتي لا يجد الناس وقتاً للاقتراب من تفاصيلها، ومتابعة حلقاتها الثلاثينية في هذه الزحمة، تسوّق لها سمعة لا تستحقها، وتجد من يتحدث عنها باعتبارها مشغولة بعناية وإتقان، وأنها أعمال (للذواقة) وأنها ظلمت في زحمة رمضان… لكن حين يتابع المرء حلقاتها كاملة ويقترب بدقة منها، فإنه سيكتشف أنها تستحق حديثاً من نوع آخر، كما هو الحال بالنسبة للمسلسل السوري (الدوامة) الذي كتب له السيناريو الأديب الراحل ممدوح عدوان قبل سنوات عديدة عن رواية (الضغينة والهوى) للروائي فواز حداد… وأخرجها المخرج الشاب المثنى صبح، وعرضت في موسم رمضان المنصرم.

ثمة سببان آخران حميا هذا المسلسل من الاقتراب النقدي، الأول أن الرواية المقتبس عنها العمل رواية طويلة تقع في أكثر من ثلاثمائة وستين صفحة، ولا وقت للكثير ممن يكتبون الانطباعات النقدية السريعة والمبتسرة لقراءتها، والثاني أن كاتب السيناريو الأديب ممدوح عدوان، رحل عن عالمنا قبل خمس سنوات… وبالتالي فهو لن يساعد أحداً في تكوين رؤية نقدية عن الرواية التي اقتبس عنها، وعن النص التلفزيوني وما جرى له.

الصراع على النفط !

تدور أحداث المسلسل بين سورية ولبنان في الخمسينيات وبالتحديد بين عامي (1949- 1951) حيث شهدت سورية ثلاث انقلابات عسكرية، الأول: انقلاب حسني الزعيم على الرئيس المنتخب شكري القوتلي، والذي لم يدم أكثر من خمسة أشهر، وانتهى بإعدام الزعيم مع رئيس وزرائه محسن البرازي، بعد قيام اللواء سامي الحناوي بتدبير الانقلاب الثاني لم يدم أكثر من أربعة أشهر، أما الانقلاب الثالث فهو انقلاب العقيد أديب الشيشكلي الذي أطاح بحكم الرئيس هاشم الاتاسي الديمقراطي. إلا أن المسلسل، وكذلك الرواية المقتبس عنها، يجعلان من هذه الانقلابات خلفية لموضوع آخر، هو البحث عن النفط في سورية في تلك الفترة، وتنافس القوى الغربية الكبرى كفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية للفوز بامتياز التنقيب عن النفط، من خلال دبلوماسييها وعملاء مخابراتها وبعثات تنقيب الآثار وجواسيسها، ويتمحور الصراع الأساسي حول نقطتين أساسيتين: الأولى التأكد من إمكانية وجود النفط في سورية، بعد أن قام شارل غوبلان رئيس البعثة الفرنسية للتنقيب عن الآثار بالانشغال والبحث في هذا الموضوع، وترك أوراقاً هامة مع مدرس جغرافيا سوري رافقه، اسمه (حسين طرواح) حيث يجري التنازع على الحصول عليها بعد العثور عليه منتحراً في إحدى فنادق بيروت في ظروف غامضة… أما النقطة الثانية: فهي محاولة الحصول على امتياز تنقيب النفط من حكومة تعيش توازنات هشة بين معارضة شرسة تتهمها بالتقصير والعجز عن شراء السلاح وتملك صحافة حرة وتأثير قوي في مجلس النواب، وجيش منقسم على شكل مراكز قوى طامحة للعب دور سياسي والتدخل في شؤون الحكم عبر الانقلابات، ورئيس جمهورية منعزل عن هذه الأجواء، ويمارس السياسة بمثالية مطلقة وتعفف سياسي ليس غريباً عن تاريخه الوطني.

حل كلمات متقاطعة

في الرواية الأصل، والتي كانت ممنوعة في سورية قبل أن يسمح بنشرها لاحقاَ، لا يحدد الكاتب فواز حداد جميع الشخصيات بأسمائها الحقيقية، إذ يستعيض عن معظمها بذكر المنصب الرسمي الذي تشغله.. إلا أن من يقرأ فصول الرواية وهو عادة أكثر ثقافة من مشاهد التلفزيون، يستطيع أن يحدد الأسماء بدقة… فالسرد الروائي المشبع بالتفاصيل، واللغة الأخاذة التي يكتب بها فواز حداد ستساعد على ذلك بالتأكيد، بل وستضع القارئ في قلب الزمان والمكان، وعلى تخوم الدور التاريخي للشخصيات نفسها حتى وإن لم يحددها بدقة… لكن المشكلة في العمل التلفزيوني الذي يتطلب بعداً تصويرياً مضبوطاً، أن تغييب الأسماء الحقيقية لشخصيات لها دور حقيقي، خلق غربة مع العمل، وجعل من التاريخ الذي يحاول أن يقاربه درساً جافاً مملاً، ومن الم

المزيد


سورية قبل حكم البعث- خالد العظم قائداً

نيسان 4th, 2007 كتبها nehad alshami نشر في , سورية قبل حكم البعث

بقلم: كامل عباس

 يعتبر خالد العظم مهندس تلك اللبرالية الوطنية - إذا صح التعبير - مع أنه سليل أسرة أرستقراطية إقطاعية, تعاونت مع المحتل العثماني وكان منها خمسة ولاة لمدينة دمشق في عهدهم, ولكن للإنصاف لم يكن كل أبناء تلك العائلة في الصف المعادي لوطنهم وشعبهم وخاصة أبناؤها المثقفون الذي وضعوا ثقافتهم وعلمهم في خدمة أمتهم ومنهم من أوصله التزامه بالوطن إلى حبل المشنقة, مثل شفيق مؤيد العظم الذي أعدم في السادس من أيار عام 1916, وحتى ابن عمه محمد فوزي باشا العظم – والد خالد العظم –  ومع أنه كان وزيراً للأوقاف في حكومة العثمانيين المركزية, إلا أن سلوكه وميوله كانت عربية وطنية خالصة وهذا ما أهله لأن يُنتخب رئيساً للمؤتمر السوري العام بعد رحيل العثمانيين ويبقى في منصبه حتى وفاته في 15 / تشرين الثاني 1919أما خالد العظم فقد كان لبرالياً وطنياً بامتياز, ومع أن العظم لم يكن مُنّظِرا ولم يكن بعمق فلاسفة اللبرالية الغربيين أو الشرقيين, إلا أن سلوكه وتواضعه رغم كل مناصبه السياسية ترشحه لأن يصنف مع العظماء الذين عملوا من أجل أوطانهم, وهذه بعض الجوانب من سيرته كمثال على ذلك.

 اشتهر خالد العظم بكرهه للعسكر ((وهو يرى أنهم احترفوا هذه المهنة لفشلهم الدراسي أو لأن أهلهم فقراء لم يستطيعوا الصرف عليهم لمتابعة تحصيلهم العلمي, فوجدوا في الجيش رزقاً حسناً في الحاضر ومغانم كثيرة في المستقبل)) (11) وهو لا يثق بهم ولا يؤيد تدخلهم بالسياسة وقد لاحق فضائحهم وعلى رأسها فضيحة السمن المشهورة, ولم يتملقهم يوماً, وكان يعرف أنه سيدفع الثمن, وهذا ما حصل فعلا في أول انقلاب عسكري قاده حسني الزعيم في 28 آذار 1949 حيث كان خالد العظم وزيرا للمالية. ((وصوب الجندي رشاشه إلى صدري, فحولته عني, ثم قال لي الضابط لا تقاوم وإلا قُتِلت, ثم أمسك بي وقال امش معنا, فقلت إلى أين ؟ فلم يلتفت إلي وجذبني مع الجندي نحو الدرج, وهناك وَقَعْتُ عند آخره وسقطت النظارة ولم يُسمح لي بالتقاطها.. وقد وجدت نفسي أخيراً في السيارة حافي القدمين وبدون نظارتي وليس علي سوى (بيجاما) حريرية رقيقة. ومن ثم أخذوني إلى سجن المزة ووضعوني في "سيلول "بارد كريه الرائحة, أرضه من تراب, وبعد قليل جاءني كل من فريد زين الدين وفرزت المملوك فطمأناني عن زوجتي وابنتي ثم بكيت طويلا…)) (12)  خالد العظم صاحب نظرية الانفتاح على المعسكر الشرقي واستيراد السلاح منه كونه الضمانة الوحيدة لاستقلال سوريا, ولذلك لقب بالمليونير الأحمر. خالد العظم له رأي واضح بالشعب الجاهل والذي لا يعرف مصلحته والذي يمكن أن يخدم الاستبداد بسبب ذلك الجهل أو ما سماه ستوارت ميل استبداد الرعاع, وبسبب من هذا الجهل تصفق الشعوب العربية دائماً لحكامها من عهد جمال باشا السفاح إلى عبد الناصر كما دوّن في مذكراته, ولذلك على السياسي الوطني التعامل معها بصبر وروية. خالد العظم المنسجم في لبرايته واحترامه للرأي الأخر حتى ولو كان فيه شرشحة شخصية له كما فعلت مجلة المضحك المبكي (( نشرت مجلة المضحك المبكي صورة كاريكاتيرية لخالد العظم وزوجته ليلى خانم وهما في الفراش ويغطيهما غطاء قصير وضيق,

المزيد


سورية قبل حكم البعث- رجل أعمال يرفض طلباً للرئيس!

نيسان 3rd, 2007 كتبها nehad alshami نشر في , سورية قبل حكم البعث

بقلم: غسان الإمام

كنت في بداية عملي في الصحافة. كنت أحسب أن الصحافي وليس القاضي هو الذي يصدر الحكم بالإفلاس. كانت سورية في تلك الأيام البعيدة دولة فيها قانون وأنظمة وقضاء نزيه. أقام الرجل المتضرر دعوى على الصحيفة اليومية التي أحررها. بعد أيام، رأيت المدير المسؤول يدخل السجن بحكم قضائي. ومن سوء الحظ أن المدير المسؤول كان صاحب الجريدة نفسه. سأذكر ما حييت مشهدا لا أنساه. كنت أقف على مقربة من الرئيس شكري القوتلي في حفل رسمي عام. فجأة رأيت الرئيس الراحل يستدير ويدعو بصوته الجهوري رجل الأعمال صاحب الدعوى القضائية الذي كان حاضرا الحفل: «تعال يا فلان، لماذا لا تسقط حقك عن فلان؟ أليس من المعيب أن يظل صحافي في عهدي خلف القضبان؟».

لو أن رئيسا في هذه الأيام دعا رجل أعمال متضرراً لإسقاط دعواه في مثل هذه الحال، فهل يجرؤ على الرفض؟ اقت

المزيد


سورية قبل حكم البعث- الليبرالية في التاريخ السوري

شباط 4th, 2007 كتبها nehad alshami نشر في , سورية قبل حكم البعث

بقلم: كامل عباس

 " مجالات العمل الحر كانت موفورة  لأبناء المدن: تجارة, محاماة, طب, وظيفة, وهي أعمال مريحة ومجزية ولا يمكن أن تقارن دخولها المادية وموقعها اجتماعياً مع أي مرتبة عسكرية مهما بلغ عدد الأوسمة المضافة, بينما توفر الكلية الحربية لأبناء الريف المحرومين إمكانيات تحقيق الطموحات حتى في جموحها: المأوى والراتب واللباس الأنيق والسلطة وتجاوزاتها – التسلط, الثروة، الاستعلاء.. كان كل ذلك بديلاً عن العمل في الطين !"

كان للعامل الخارجي الدور الأساسي في تحرر سوريا من الاستعمارين العثماني والغربي. المرة الأولى جاء جلاء الأتراك عنها نتيجة هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى وتوزيع مستعمراتهم بين المنتصرين. والمرة الثانية جاء جلاء الفرنسيين عن سوريا نتيجة الصراع بين البريطانيين والفرنسيين على النفوذ في البلدان العربية, أكثر منه نتيجة للمقاومة السورية لهذا الاحتلال.

إن ألف عام من القمع والحصار والتجويع المطبق على هذا الشعب (بدءاً بعصور الانحطاط العباسية مروراً بحكم المماليك, انتهاء بالسلاطين العثمانيين) أنهك هذا الشعب وأورثه الجهل والتخلف والتعلق بالغيب والأساطير. برغم ذلك الليل الاستبدادي الطويل احتضنت سوريا غرسة اللبرالية التي جاء بها الغرب إليها رغما عنه, وأعطت تلك الغرسة ثماراً رائعة بعد الاستقلال , ليصبح حكامها بشر من الشعب وليسوا سلاطين معزولين عنه بالحراس والخدم والحشم , و كانت الثمرة الأولى هي الدستور السوري اللبرالي المقر من الجمعية التأسيسية عام 1950 المتقدم أشواطا كبيرة عن دساتير كل البلدان العربية والمشرقية وقد جاء في مقدمته :(( نحن ممثلي الشعب السوري العربي، المجتمعين في جمعية تأسيسية بإرادة الله ورغبة الشعب الحرة، نعلن أننا وضعنا هذا الدستور لتحقيق الأهداف المقدسة التالية:

إقامة العدل على أسس متينة حتى يضمن لكل إنسان حقه دون رهبة أو تحيز وذلك بدعم القضاء وتوطيد استقلاله في ظل حكم جمهوري ديمقراطي حر.

ضمان الحريات العامة الأساسية لكل مواطن، والعمل على أن يتمتع بها فعلاً في ظل القانون والنظام، لأن الحريات العامة هي أسمى ما تتمثل فيه معاني الشخصية والكرامة والإنسانية.

نشر روح الإخاء وتنمية الوعي الاجتماعي بين المواطنين حتى يشعر كل إنسان أنه جزء في بنيان الوطن وأن الوطن في حاجة إليه.

دعم واجب الدفاع عن الوطن والجمهورية والدستور، وذلك بمساهمة كل مواطن بدمه وماله وعمله وعلمه.

تحرير المواطنين من ويلات الفقر والمرض والجهل والخوف بإقامة نظام اقتصادي واجتماعي صالح يحقق العدالة الاجتماعية ويحمي العامل والفلاح، ويؤمن الضعيف والخائف، ويوصل كل مواطن إلى خيرات الوطن.))

نسي الشعب السوري في غمرة فرحته بالحرية الغول والجن والعفاريت المقيمة في عالمه الباطني , نسي الزوايا والتكايا وطقوس وأشعار الطرق الصوفية كالجيلانية والنقشبندية والرفاعية والقلندية والسعدية وغيرها و نسي أيام سفر برلك والفقر والجوع وأقدم على السياسة بشيبه وشبابه , فعرفت البلاد نشاطا محموما تتنافس فيه كل التيارات السياسية بشكل سلمي وديمقراطي من اليسار إلى اليمين شيوعيون واشتراكيون ولبراليون وإسلاميون (الحزب الشيوعي وحزب البعث والحزب الوطني وحزب الشعب وجماعة الإخوان المسلمين) وكانت أروع ثمار تلك الحرية هي حرية الصحافة بنقدها الساخر والبناء وبأقلام كتابها الأحرار

1- الأيام لنصوح بابل        2 -الإنشاء لوجيه الحفار      

 3- النضال لسامي كبارة

4- ألف باء ليوسف العيسى   5- الكفاح لأمين سعد   6- فتى العرب لمعروف الأرناؤوط

7- النقاد لفوزي أمين        8- المضحك المبكي لحبيب كحالة        

 9- القبس لنجيب الريس

في تلك الفترة تمت أكثر من انتخابات حرة وكان أجمل ما فيها انتخاب رئيس للجمهورية غير الرئيس السابق , ومراسيم التسليم والتسلم بين القديم والجديد , لتبدو دمشق كأنها واحة للحرية ضمن محيط عربي , الحاكم فيه ملك أو سلطان مثل السلاطين العثمانيين لا يغادر كرسيه إلا بالموت أو بالحديد والنار . وصف لنا مدير عام القصر الجمهوري آنذاك كيف تمت تلك المراسم والتي تبدو حتى كتابة هذه السطور حلماً يراود كل أبناء البلدان العربية بلا استثناء . ((بعد مأدبة الغداء التي أقامها الرئيس القوتلي للرئيس الأتاسي في القصر الجمهوري جرى وداع حافل للرئيس الأتاسي ، إذ ذهب الرئيسان بموكب رسمي إلى القابون , حيث أقيم سرادق خاص , ووقفا أمام الحرس الجمهوري مع موسيقى الدرك , فعزفت النشيد السوري وأدت لهما التحية , فاستعرضها الرئيسان , وكان في السرادق أعضاء الحكومة ورئيس وأعضاء مكتب مجلس النواب ورئيس الأركان العامة , ثم ودع الرئيس الأتاسي الرئيس القوتلي , وبموكب رسمي اتجه إلى حمص حيث مدينته ومنزله)) (1)

تكتمل الصورة إذا أضفنا إليها شهادة الدكتور بشير العظمة عن مظاهر الأبهة والبيروقراطية المتفشية في نظام يعد نفسه طليعة القوى التقدمية العربية , وعدواً لدوداً للملوك والسلاطين , مقارنة بالنظام السوري في نفس الفترة الزمنية . (( قصدت مركز عملي الجديد لأبلغه قبل ربع ساعة من الدوام الرسمي و كأي موظف متحمس يريد أن يكون أمثولة للتابعين له , وصلت إلى بوابة المبنى ماشياً على قدمي وهو لا يبعد عن داري أكثر من مئتي متر تقريبا , استوقفني الحارس , قلت – وزير الصحة – أجاب : لا يأتي قبل الحادية عشرة , قلت – هو أنا - . أفسح لي الطريق بإشارة والشك واضح في حركاته وسحنته , سمح الجندي للمخبول أن يدخل دون تحية باليد أو بالسلاح , افهمني مدير المكتب بعد ذلك بان التقاليد لا بد وان تراعى , فالوزير لا يحضر لوزارته قبل الحادية عشرة , إذا توفر لديه وقت لذلك . إخفاء وحجب الملوك والوزراء والأمراء عن الأنظار إجراءات لها ضرورتها , لتبقى صورة القادة في خيال الجماهير أقرب إلى صورة الآلهة والأئمة , نقية وطاهرة . لم تعرف سوريا في تاريخها الحديث الملكية والحاشية والبلاط والحجاب و كان مسكن شكري القوتلي رئيس الجمهورية عند قيام الوحدة شقة مستأجرة عادية جداً في حي الجسر الأبيض وحارسه شرطي يداوم نهاراً فقط )) (2)

ولم يكن شكري القوتلي بوصفه رئيساً للجمهورية قادراً على اعتماد عدد من الحجاب والموظفين في القصر إلا بعد موافقة مجلس النواب (( كان في القصر ضارب واحد على الآلة الكاتبة هو عبد الوهاب زين العابدين , وكان يطبع المراسيم والرسائل العادية ويقوم بالأعمال الإدارية , وكنت أساعده في كتابة الرسائل الرسمية إلى رؤساء الدول والرسائل الهامة الأخرى , ولما كان العمل في القصر قد ازداد كثيراً فقد لحظت في الميزانية الجديدة تعيين ضارب آخر على الآلة الكاتبة العربية , وهكذا فقد بلغت ميزانية القصر بما فيها رواتب الرئيس وتعويضاته ورواتب الموظفين ونفقات حفلات القصر للضيوف الرسميين ونفقات الانتقال والنفقات الخاصة وسواها (250 ألف ل س ) وكان علي أن أناقش هذه الميزانية مع لجنة الموازنة في مجلس النواب لإقرارها وقد عرضتها قبل ذلك على الرئيس فوافق عليها .

كان رئيس لجنة الموازنة أكرم الحوراني , وكان معه من الأعضاء علي بوظو و بدوي الجبل و رزق الله انطاكي وآخرون من نواب العشائر . بادرني أكرم الحوراني بشكل عنيف , لم هذه الزيادة في أجرة القصر و هل تدفعها من جيبك , فشرحت له أسباب الزيادة , فشطبها ,ثم جاء إلى تعيين ضارب على الآلة الكاتبة فشطبه أيضاً و وقال قم أنت بالعمل . ثم جاء إلى النفقات الخاصة و قال لماذا هذه النفقات ؟ .. )) (3)

لم تكمن إيجابية تلك المرحلة في إظهار الحاكم الشرقي إنساناً عادياً يأكل ويشرب كغيره من البشر على عكس الحكام الشرقيين , بل تعدتها من الشكل إلى المضمون , لتنتج دولة وطنية على كافة الأصعدة

المزيد





سوري... يا نيالي  هم الدنيا كلو ببالي...  َطَفر وضَجر وضهري انكسر... والدولة ما بترثي لحالي !!